كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بئايت ربهم فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال فرعون وكل كانوا ظلمين ( ٥٤ ) [ الأنفال : الآية ٥٤ ] هذا كالتوكيد لما قبله، كرره ليبين بعض ما أجمله هناك، فبين في هذه الآية الأخيرة أن من كفرهم المذكور في قوله : كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كفروا بين أن منه التكذيب بآيات الله، وبين أنه عاقبهم وأغرق منهم آل فرعون.
ومعنى قوله : كدأبهم كدأب ءال فرعون فرعون : تطلق على كل من ملك مصر. والمراد بهذه : فرعون موسى.
واختلف العلماء في لفظة ( فرعون ) هل هو عربي أو أعجمي ١ ؟ فقال بعضهم : أعجمي. وقال بعضهم : هو عربي مشتق من ( تفرعن ) الرجل إذا كان ذا دهاء ومكر، فكل من كان ذا دهاء ومكر هو متفرعن، وعلى أنه عربي فوزنه بالميزان الصرفي ( فعلول ) فعلول بلامين لا ( فعلون ) بنون ٢. وفرعون هو الوليد بن الريان أو غيره على ما شرحنا، وهذا معنى قوله : كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم [ الأنفال : الآية ٤٥ ] ءال فرعون معناه : أهله وجماعته. والتحقيق في ألف ( الآل ) أنها مبدلة من واو ؛ لأن العرب تصغره على ( أويل ). وبعضهم يقول : هي مبدلة من هاء، أصله :( أهل ) ٣ ولا يقال :( الآل ) إلا لمن له شأن وخطب، وإنما قيل لفرعون :( آل فرعون ) مع أنه خسيس خبيث وضيع لعظمته ومكانته عند قومه أيام إرسال موسى له ؛ لأنه كان يقول : أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ( ٥٢ ) [ الزخرف : الآية ٥٢ ] أليس لي ملك مصر وهذه الأنهر تجري من تحتي [ الزخرف : الآية ٥١ ] أنا ربكم الأعلى [ النازعات : الآية ٢٤ ] ما علمت لكم من إله غيري [ القصص : الآية ٣٨ ] فهذه العظمة الزائفة والأبهة المختلفة كأنه قيل له بها ( آل ).
ءال فرعون والذين من قبلهم كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، كذبوا بئايت ربهم كذب قوم نوح بآيات الله التي أرسل بها نبيه نوحا، وقوم هود بآيات الله التي أرسل بها نبيه صالحا إلى آخره. وهذا معنى قوله كذبوا بئايت ربهم .
فأهلكنهم بذنوبهم وقد قدمنا تفصيل إهلاك هؤلاء الأمم، فبين في آيات كثيرة أنه أهلك قوم نوح بالطوفان وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقنهم [ الفرقان : الآية ٣٧ ] وبين أنه أهلك قوم هود بالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم ( ٤٢ ) [ الذريات : الآية ٤٢ ] وأنه أهلك قوم صالح بصيحة صاح بهم الملك فأصبحوا في ديرهم جثمين [ هود : الآية ٦٧ ] وأنه أهلك قوم شعيب تارة قال : بصيحة، وتارة قال : برجفة، وتارة بظلة. والتحقيق أن قوم شعيب – أهل مدين – اجتمعت لهم الصيحة والرجفة والظلة ؛ لأنه صاح بهم الملك من فوق فرجفت بهم الأرض من تحتهم، قم إن الله أرسل عليهم ظلة فأحرقتهم – على القول بأن أصحاب الظلة هم أصحاب الصيحة والرجفة، وهو أظهر الأقوال وأقربها – كما قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف – وبينا أن قوم لوط أخذ الملك أرضهم فرفعها وقلبها عاليها سافلها ؛ ولذا كانت قرى قوم لوط تسمى ( المؤتفكات ) والمؤتفكات : مفتعلات من الأفك ٤، والأفك في لغة العرب هو القلب. من أفك الشيء إذا قلبه فجعل أسفه أعلاه. ومنه قيل لأسوأ الكذب ( إفكا ) لأنه قلب الحقائق عن مواضعها. فقال ( جل وعلا ) فيهم : فجعلنا عليها سافلها [ هود : الآية ٨٢ ] لأنها أفكها الملك أي : قلبها. فالمؤتفكات : المنقلبات المجعول أسفلها عاليها، تارة عبر عنها بالمؤتفكة نظرا إلى سدوم التي هي عاصمتها، وتارة عبر عن جميع القرى، قال في موضع : المؤتفكة أهوى ( ٥٣ ) [ النجم : الآية ٥٣ ] وقال في موضع : المؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينت [ التوبة : الآية ٧٠ ] إلى غير ذلك، وهذا معنى قوله : فأهلكنهم بذنوبهم وأغرقنا ءال فرعون بين هنا ما فعل بآل فرعون ؛ لأنه أغرقهم لما أسرى موسى ببني إسرائيل وضرب بعصاه البحر فانفلق البحر وصار فيه اثنى عشر طريقا يبسا، وسلكها موسى وقومه، فجاء فرعون في قومه وأبهته فوجدوا الطرق يبسا، فدخلوا فيها حتى تكامل خروج بني إسرائيل على الشاطئ، ودخول القبطيين في البحر، أمر الله البحر فاضطرب عليهم، كما جاء مبينا في سور كثيرة من كتاب الله. وهذا معنى قوله : وأغرقنا ءال فرعون .
وكل كانوا ظلمين [ الأنفال : الآية ٥٤ ] وكل من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، والكفرة الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم كل هؤلاء الكفرة كانوا ظالمين، ظالمين بكفرهم.
وقد قدمنا مرارا ٥ أن أصل الظلم في لغة العرب التي نزل بها القرآن : هو موضع الشيء في غير محله، فكل من وضع شيئا في غير محله فهو ظالم، هذا لسان العرب الذين نزل به القرآن، كل من وضع شيئا في غير موضعه فقد ظلم ؛ ولذا كانوا يقولون لمن يضرب لبنه قبل أن يروب : ظالم. ويقولون للسقاء المضروب قبل أن يروب : مظلوم. لأن الضرب وقع في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يذهب زبده ويضيعه، فكان في غير موضعه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر ٦ :
| وقائلة ظلمت لكم سقائي | وهل يخفى على العكد الظليم |
| وصاحب صدق لم تردني شكاته | ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر |
| إلا الأواري لأيا ما أبينها | والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد |
| فأصبح في غبراء بعد إشاحة | من العيش مردود عليها ظليمها |
إذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب : هو وضع الشيء في غير محله فاعلموا أن أعظم أنواعه وأشنعها هو وضع العبادة في غير من خلق. من خلقه الخالق ورزقه – جل وعلا – فعبد غيره فقد وضع عبادته وطاعته في غير موضعها فهو ظالم الظلم بمعناه الأكبر ومعنى الكلمة تماما ؛ ولأجل هذا المعنى كثر في القرآن إطلاق الظالم على الكافر المشرك، كقوله : والكفرين هم الظلمون [ البقرة : الآية ٢٥٤ ] وقوله : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين ( ١٠٦ ) [ يونس : الآية ١٠٦ ] إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : الآية ١٣ ] وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر قوله : الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم [ الأنعام : الآية ٨٢ ] قال : " بشرك "، ثم تلى قوله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ لقمان : الآية ١٣ ] ١٠ وكذلك يطلق الظلم على المعصية التي لا تبلغ الكفر ؛ لأن العاصي أطاع الشيطان وعصى الله، فقد وضع طاعته في غير موضعها، ووضع معصيته في غير موضعها فهو ظالم بهذا الاعتبار، فهذا معنى قوله : وكل كانوا ظلمين [ الأنفال : الآية ٥٤ ] والتنوين في قوله : وكل تنوين عوض، عوض عن كلمة المضاف إليه، أي : وكلهم كانوا ظالمين. فعوض التنوين عن المحذوف كما هو معروف في محله.
٢ السابق..
٣ السابق..
٤ مضى عند تفسير الآية (٨٠) من سورة الأعراف..
٥ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
٦ السابق..
٧ السابق..
٨ السابق..
٩ السابق..
١٠ مضى عند تفسير الآية (٥١) من سورة البقرة..
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير