ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

قوله تعالى : يا أيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال الآية.
لمَّا بيَّن أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بيَّن ههنا أنه ليس من الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال ؛ فإنه تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض كالتحضيض والحث.
يقال : حَرَّضَ وَحَرَّشَ وحرَّكَ وحثَّ بمعنىً واحد.
وقال الهرويُّ " يقال : حَارَضَ على الأمر، وأكَبَّ، وواكبَ، وواظبَ، وواصبَ بمعنىً ".
قيل : وأصله من الحَرَض، وهو الهلاك، قال تعالى : حتى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين [ يوسف : ٨٥ ].

إنِّي امْرؤٌ نَابَنِي همٌّ فأحْرَضَنِي حتَّى بَليتُ وحتَّى شَفَّنِي سَقَمُ١
قال الزجاج٢ :" تأويل التحريض في اللُّغةِ أن يُحَثَّ الإنسان على شيءٍ حتى يُعلمَ منه أنَّه حارضٌ والحارض : المقاربُ للهلاك " واستبعد النَّاسُ هذا منه، وقد نَحَا الزمخشريُّ نحوه، فقال :" التَّحريضُ : المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحرَض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرضاً، وتقولُ له : ما أراك إلاَّ حَرضاً ".
وقرأ الأعمش٣ " حَرِّصْ " بالصاد المهملة، وهو من " الحِرْصِ "، ومعناه مقارب لقراءة العامة.
قوله : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ الآيات.
أثبت في الشرط الأول قيداً، وهو الصبرُ، وحذف من الثاني : وأثبت في الثاني قيداً، وهو كونهم من الكفر، وحذف من الأوَّلِ، والتقديرُ : مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كلٍّ منهما ما أثبت في الآخر، وهو في غاية الفصاحة.
وقرأ٤ الكوفيون : وإن يكُنْ منْكُم مائةٌ يَغلِبُوا ، فإنْ يكنْ منكُم مائةٌ صابرةٌ بتذكير " يكن " فيهما، ونافع وابن٥ كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين٦ وفي الثانية كالباقين.
فَمَنْ ذكَّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله :" مِنكُمْ " ؛ لأنَّ التأنيث مجازي، إذ المراد ب " المائة " الذُّكور، ومنْ أنَّثَ فلأجل اللفظِ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل.
وأمَّا أبو عمرو فإنَّما فرٌَّ بين الموضعين فذكَّر في الأول، لما ذكر ؛ ولأنَّهُ لحظ قوله :" يغلبوا " وأنَّثَ في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله :" صَابِرَةٌ "، وأمَّا : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ و وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ فبالتذكير عند جميع القرَّاء، إلاَّ الأعرج، فإنه أنَّثَ المسند إلى " عشرون ".

فصل


هذا خبرٌ والمراد به الأمر، كقوله تعالى : والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [ البقرة : ٢٣٣ ].
والمعنى : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ فليصبروا وليجتهدوا في القتالِ حتَّى " يَغلبُوا مائتيْنِ " ويدلُّ على أن المراد الأمر وجوه.
أولها : لو كان المرادُ الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكُفَّارِ عشرين من المؤمنين، وذلك باطل.
وثانيها : قوله تعالى : الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ نسخ والنسخُ لا يليق إلاَّ بالأمر.
وثالثها : قوله تعالى والله مَعَ الصابرين وذلك ترغيب في الثبات على الجهادِ.

فصل


قوله تعالى : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يدُلُّ على أنَّهُ تعالى ما أوجبَ هذا الحكم إلاَّ بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنَّما حصل هذا الشَّرط عند حصول أشياء.
منها : أن يكون شديد الأعضاء، قوياً جلداً، وأن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، وأن يكون غير متحرّفٍ إلاَّ لقتال أو متحيزاً إلى فئة ؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجبُ على الواحد أن يثبتَ للعشرةِ.
وإنَّما حسن هذا التكليف ؛ لأنه مسبوق بقوله : حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين [ الأنفال : ٦٤ ] فلمَّا وعد المؤمنين بالكفاية والنُّصرةِ كان هذا التكليف سهلاً ؛ لأنَّ من تكفَّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه.
فإن قيل : هذه الآية تدلُّ على جوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في العدولِ عن هذه اللَّفظةِ الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟.
والجوابُ : أن هذا الكلام إنَّما ورد على وفْق الواقعة ؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السَّرايا، والغالبُ أن تلك السَّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيدُ على المائة فلهذا ذكر الله هذين العددين.
قوله : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ وهذا كالعلّة لتلك الغلبة ؛ لأنَّ من لا يؤمنُ باللَّهِ ولا يؤمنُ بالمعاد، فالسعادةُ ليست عنده إلاَّ هذه الحياة الدنيويَّة، ومن كان هذه معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال.
وأمَّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنَّ السعادة لا تحصل إلاَّ في الدَّار الآخرة، فإنَّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير.
وأيضاً : فإن الكُفَّار إنَّما يعولُون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومنْ كان كذلك كان النصر الظفر به أليق وأولى.
كان هذا يوم بدر فرض الله على الرَّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين،
١ تقدم..
٢ ينظر: معاني القرآن للزجاج ٢/٤٦٩..
٣ حكاها الأخفش.
ينظر: الكشاف ٢/٢٣٥، المحرر الوجيز ٢/٥٤٩، البحر المحيط ٤/٥١٢، الدر المصون ٣/٤٣٥..

٤ ينظر: السبعة ص (٣٠٨)، الحجة ٤/١٥٩-١٦٠، حجة القراءات ص (٣١٢-٣١٣)، إعراب القراءات ١/٢٣٢-٢٣٣، إتحاف ٢/٨٣، النشر ٢/١٧٧..
٥ انظر السابق..
٦ وقرأ بها كذلك يعقوب ووافقهما اليزيدي والحسن.
ينظر: السبعة ص (٣٠٨)، الحجة ٤/١٦٠، حجة القراءات ص (٣١٣) إعراب القراءات ١/٢٣٢، إتحاف ٢/٨٣..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية