ﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

وقوله : حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال أي : حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة : المبالغة في الحثّ وهو كالتحضيض، مأخوذ من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به، ثم بشرهم تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ ثم زاد هذا إيضاحاً مفيداً لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد، بل هي جارية في كل عدد فقال : وَإِن تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلاً كانوا أو كثيراً لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال، وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك. فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين، بل مثل نصفهم بل مثلهم. وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا بالخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر. وقيل : إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر، كقوله تعالى : والوالدات يُرْضِعْنَ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال : فَإن تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ إلى آخر الآية، فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال : لما أسلم عمر قال المشركون : قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين . وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل : يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال : لما أسلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت : يا أيها النبي حَسْبُكَ الله . وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري في الآية قال : نزلت في الأنصار، وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي في قوله : يا أيها النبي حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين قال : حسبك الله وحسب من اتبعك.
وأخرج البخاري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال : لما نزلت إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من العشرة، وأن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثم نزلت الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية، فكتب أن لا يفرّ مائة من مائتين قال سفيان : وقال ابن شبرمة : وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال : لما نزلت : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التخفيف الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ الآية قال : فلما خفّف الله عنهم من العدّة نقص من الصبر بقدر ما خفّف عنهم.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية