نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢١:وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى : ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره ومعناه : أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته فيعود جمادا كما كان أول مرة، لا يبقى إلا شكل أعضائه وصورته لا حس فيه ولا حركة، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة قذرة، ثم تبلى أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه، ويصير رميما رفاتا، ويأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحذقتيه فيقلعهما يخديه فيقطعهما وبسائر أجزائه، فيصير روثا في أجواف الديدان، ويكون جيفة يهرب منه الحيوان، ويستقذره كل إنسان يهرب منه لشدة الإنتان، وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمل منه البنيان، فيصير مفقودا بعد ما كان موجودا، وصار كأن لم يغن بالأمس، حصيدا كما كان في أول أمره أمدا مديدا، وليته بقي كذلك فما أحسنه لو ترك ترابا، لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شديد البلاء، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة وسماء مشققة ممزقة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة وشمس منكشفة، أحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويرى صحائف منشورة فيقال له : اقرأ كتابك ١ فيقول : وما هو ؟ فيقال : كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها وتتكبر بنعيمها وتفتخر بأسبابها، ملكان رقيبان يكتبان عليك ما كنت تنطق به أو تعمله من قليل وكثير ونقير وقطمير وأكل وشرب وقيام وقعود، قد نسيت ذلك وأحصاه الله عليك، فهلم إلى الحساب واستعد للجواب أو تساق إلى دار العذاب، فينقطع قلبه فزعا من هول هذا الخطاب قبل أن تنشر الصحيفة ويشاهد ما فيها من مخازيه، فإذا شاهده قال : يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ٢ فهذا آخر أمره وهو معنى قوله تعالى : ثم إذا شاء أنشره . ( نفسه : ٣/٣٧٨-٣٨٠ )
خ٢١
٢ - الكهف: ٤٨..
فما لمن هذا حاله التكبر والتعظم ؟ بل ما له وللفرح في لحظة واحدة فضلا عن البطر والأشر ؟ فقد ظهر له أول حاله ووسطه، ولو ظهر آخره. والعياذ بالله تعالى، ربما اختار أن يكون كلبا أو خنزيرا ليصير مع البهائم ترابا ولا يكون إنسانا يسمع خطابا أو يلقى عذابا.
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي