والمعنى (١): فأي سبيل تسلكونها، وقد سدت عليكم السبل، وأحاط بكم الحق من جميع الجوانب، وبطلت مفترياتكم، فلم يبق لكم سبيل تستطيعون الهرب منها.
٢٧ - ثم بين حقيقة القرآن، فقال: إِنْ هُوَ: إِنْ: نافية، والضمير عائد إلى القرآن؛ أي: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ؛ أي: موعظة وتذكير لهم، والمراد الإنس والجن بدلالة العقل، فإنهم المحتاجون إلى الوعظ والتذكير.
والمعنى: أي: وما هذا القرآن إلا عظة للخلق كافة، يتذكرون بها ما غرز في طباعهم من حب الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ عليهم بمقتضى الإلف والعادة من ملكات السوء التي تحدثها أمراض البيئة والمجتمع، والقدوة السيئة.
٢٨ - ثم بين أنه لا ينتفع بهذه النظم كل العالمين فقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أيها المكلفون بالإيمان والطاعة، وهو (٢) بدل من العالمين بإعادة الجار، بدل البعض من الكل، ولا تخالف بين الأصل، المتبوع والفرع التابع؛ لأن الأول باعتبار الذات، والثاني باعتبار التبع. وقوله: أَنْ يَسْتَقِيمَ مفعول المشيئة؛ أي: لمن شاء منكم الاستقامة والثبات على الحق والإيمان والطاعة، وإبداله من العالمين مع أنه ذكر شامل لجميع المكلفين؛ لأنهم هم المنتفعون بالتذكير دون غيرهم، فكأنه مختص بهم، ولم يوعظ به غيرهم.
والمعنى (٣): أنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته للاستقامة على جادة الحق والصواب، أما من انحرف عن ذلك.. فلا يؤثر فيه هذا الذكر، ولا يخرجه من غفلته.
والخلاصة: أن على مشيئة المكلف تتوقف الهداية، وقد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق، ويطلبه ويجد في كسب الخير ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
٢٩ - ثم رفع توهم أن إرادة الإنسان مستقلة في فعل ما يريد، وله الاختيار التام فيما يفعل، وهو منقطع العلاقة في إرادته من سلطان ربه، فقال: وَمَا تَشَاءُونَ؛
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
أي (١): الاستقامة مشيئةٌ مستتبعةٌ لها في وقت من الأوقات، يا من يشاؤها، وذلك أن الخطاب في قوله: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ يدل على أن منهم من يشاء الاستقامة، ومنهم من لا يشاؤها، فالخطاب هنا لمن يشاؤها منهم، يروى أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨). قال: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فنزل قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إلخ. إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ سبحانه وتعالى من إقامة المصدر موقع الزمان؛ أي: إلا وقت أن يشاء الله تعالى تلك المشيئة المستتبعة للاستقامة، فإن مشيئتكم لا تستتبعها بدون مشيئة الله لها؛ لأن المشيئة الاختيارية مشيئة حادثة، فلابد لها من محدث، فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها، فظهر أن فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة، وهذه الإرادة موقوفة الحصول على أن يريد الله أن يعطيه تلك الإرادة، والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء، فأفعال العباد ثبوتًا ونفيًا موقوفة الحصول على مشيئة الله، كما عليه أهل السنّة. رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ أي: مالك الخلق ومربيهم أجمعين بالأرزاق الجسمانية والروحانية، وفي الحديث القدسي: "يا ابن آدم، تريد وأريد، فتتعب فيما تريد، ولا يكون إلا ما أريد"، قال وهب بن منبه: قرأت في كتب كثيرة: مما أنزل الله على الأنبياء "إنه من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة.. فقد كفر". قال أبو بكر الواسطي رحمه الله: أعجزك في جميع صفاتك، فلا تشاء إلا في مشيئته، ولا تعمل إلا بقوته، ولا تطيع إلا بفضله، ولا تعصي إلا بخذلانه، فماذا يبقى لك، وبما تفتخر من أعمالك، وليس منها شيء إليك إلا بتوفيقه. انتهى.
والمعنى (٢): أي إنَّ إرادتكم الخير لا تحصل لديكم إلا بعد أن يخلقها الله تعالى فيكم بقدرته الموافقة لإرادته، فهو الذي يودع فيكم إرادة فعل الخير، فتنصرف هممكم إليه، ولو شاء لسلبكم هذه الإرادة، وجعلكم كالحيوانات لا إرادة لها. وفي قوله: رَبُّ الْعَالَمِينَ بيان لعلة هذا؛ فإنه لما كان رب العالمين هو الذي مَنَحَكُم كل ما تتمتعون به من القوى كالإرادة وغيرها، وهو صاحب السلطان عليكم.. كانت إرادتكم مستندة إلى إرادته، وخاضعة لسلطانه، فلو شاء أن يوجهها إلى غير ما
(٢) المراغي.
وجهت له.. توجهت، ولو شاء أن يمحوها.. محيت، فله الأمر وله الحكم، وهو على كل شيء قدير.
والخلاصة: وما تشاؤون الاستقامة يا من شاؤوها في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله تعالى إياها منكم.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وقوله: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وقوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، والآياتُ القرآنية في هذا المعنى كثيرة.
الإعراب
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤).
إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية متعلق بالجواب، وجوابها في الاثني عشر موضعًا التي وقعت فيها.. قوله الآتي: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤). الشَّمْسُ: نائب فاعل مرفوع على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده تقديره: إذا كورت الشمس كورت، وإلى هذا جنح الزمخشري، ومنع الرفع على الابتداء؛ لأن إِذَا تقتضي الفعل لما فيها من معنى الشرط، وجوز ما منعه الزمخشري الكوفيون، والأخفش من البصريين، والجملة المحذوفة في محل الخفض بإضافة إِذَا إليها على كونها فعل شرط لها، وجوابها جملة عَلِمَتْ نَفْسٌ الآتي، كُوِّرَتْ: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الشَّمْسُ، والجملة جملة مفسرة للمحذوفة لا محل لها من الإعراب. وَإِذَا: الواو: عاطفة إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان النُّجُومُ: مرفوع على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا تقديره: وإذا انكدرت النجوم، والجملة المحذوفة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، وجوابها عَلِمَتْ الآتي، وجملة إذا معطوفة على جملة إذا
المذكورة قبلها، وجملة انْكَدَرَتْ مفسرة للمحذوف، لا محل لها من الإعراب. وكذا جملة قوله: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) معطوفة على جملة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)، والتقدير فيهما: وإذا سيرت الجبال سيرت، وإذا عطلت العشار عطلت، وكذا الجمل في قوله: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) معطوفات على قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)، والتقدير فيها: وإذا حشرت الوحوش حشرت، وإذا سجرت البحار سجرت، وإذا زوجت النفوس زوجت، وإذا سئلت المؤودة سئلت، فهي مماثلة لها في إعرابها المتقدم. بِأَيِّ ذَنْبٍ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ قُتِلَتْ، وجملة قُتِلَتْ سدت مسد المفعول الثاني لـ سُئِلَتْ، والجمل في قوله: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) معطوفات على ما تقدم أيضًا، والتقدير فيها: وإذا نشرت الصحف نشرت، وإذا كشطت السماء كشطت، وإذا سعرت الجحيم سعرت، وإذا أزلفت الجنة أزلفت. عَلِمَتْ نَفْسٌ: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا الشرطية في المواضع المذكورة، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا الأولى مستأنفة استئنافًا نحويًا لا محل لها من الإعراب، وما بعدها معطوفة عليها. مَا: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ عَلِمَتْ؛ لأن العلم هنا عرفانية، وجملة: أَحْضَرَتْ صلة لـ مَا الموصولة لا محل لها من الإعراب.
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١).
فَلَا: الفاء. استئنافية لا: زائدة لتأكيد القسم أُقْسِمُ: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا، والجملة الفعلية جملة قسم مستأنفة لا محل له من الإعراب بِالْخُنَّسِ: جار ومجرور متعلق بـ أُقْسِمُ. الْجَوَارِ: صفة لـ الخنس أو بدل منه، والصفة تتبع الموصوف تبعه بالجر، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل لأنه اسم منقوص، وحذفت الياء خطًا تبعًا لحذفها في اللفظ. الْكُنَّسِ: نعت لـ الْجَوَارِ مجرور بالكسرة، وَاللَّيْلِ: الواو: عاطفة اللَّيْلِ معطوف على الْخُنَّسِ، أو يقال: الواو: حرف جر وقسم، اللَّيْلِ: مجرور بواو القسم،
الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم بالليل. إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط عَسْعَسَ: فعل ماضٍ، وفاعل مستتر يعود على اللَّيْلِ، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة إِذَا إليها، والظرف متعلق بفعل القسم المحذوف؛ أي: أقسم بالليل وقت عسعسته، وَالصُّبْحِ: الواو: عاطفة على اللَّيْلِ، أو واو قسم، الصُّبْحِ: مقسم به مجرور بواو القسم إِذَا: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط تَنَفَّسَ: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على وَالصُّبْحِ، والجملة في محل الجر بإضافة إِذَا إليها، والظرف متعلق بفعل القسم المحذوف؛ أي: وأقسم بالصبح وقت تنفسه. إِنَّهُ: ناصب واسمه، لَقَوْلُ: اللام: حرف ابتداء قول: خبر إن رَسُولٍ: مضاف إليه كَرِيمٍ: صفة أولى لـ رَسُولٍ، وجملة إن جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وفي قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) أقوال متلاطمة في إعرابها ضربت عنها صفحًا؛ لأنه لا طائل تحتها، فلترجع إلى الكتب الباحثة عنها إن شئت. ذِي قُوَّةٍ صفة ثانية لـ رَسُولٍ، عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من مَكِينٍ؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، فأعربت حالًا. مَكِينٍ صفة ثالثة مُطَاعٍ صفة رابعة ثَمَّ ظرف مكان بمعنى هناك، متعلق بـ مُطَاعٍ أو بـ أَمِينٍ. أَمِينٍ صفة خامسة لـ رَسُولٍ.
وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧).
وَمَا: الواو: عاطفة مَا: نافية حجازية، صَاحِبُكُمْ: اسمها، بِمَجْنُونٍ: خبرها، و الباء زائدة، والجملة معطوفة على جملة قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) على كونها جواب القسم، وَلَقَدْ: الواو: عاطفة، و اللام: موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق رَآهُ: رأى: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، و الهاء: ضمير عائد على جبريل في محل النصب مفعول به لـ رأى؛ لأن رأى هنا بصرية. بِالْأُفُقِ: متعلق بـ رأى. الْمُبِينِ: صفة لـ الْأُفُقِ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) على كونها جواب القسم، وما: الواو: عاطفة مَا: حجازية، هُوَ في محل الرفع اسمها عَلَى الْغَيْبِ متعلق بـ ضنين،
عَلَى بمعنى: الباء، و بِضَنِينٍ: خبر مَا، و الباء زائدة، والجملة معطوفة أيضًا على جواب القسم، وَمَا: الواو: عاطفة مَا: حجازية هُوَ: اسمها، بِقَوْلِ: خبرها، و الباء زائدة شَيْطَانٍ: مضاف إليه رَجِيمٍ: صفة شَيْطَانٍ، والجملة معطوفة أيضًا على جواب القسم، فَأَيْنَ: الفاء: استئنافية، أَيْنَ: اسم استفهام عن المكان المبهم في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح، والظرف متعلق بـ تَذْهَبُونَ، و تَذْهَبُونَ: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة إِنْ: نافية هُوَ: مبتدأ، إِلَّا أداة حصر ذِكْرٌ: خبر لِلْعَالَمِينَ: متعلق بـ ذِكْرٌ، أو نعت له، والجملة مستأنفة، لِمَنْ: بدل من قوله: لِلْعَالَمِينَ بإعادة الجار، وجملة شَاءَ صلة لـ مَنْ الموصولة لا محل من الإعراب، مِنْكُمْ: حال من فاعل شَاءَ، وجملة أَنْ يَسْتَقِيمَ مع أَنْ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ شَاءَ؛ أي: لمن شاء منكم استقامته. وَمَا: الواو: استئنافية، مَا نافية تَشَاءُونَ: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، إِلَّا أداة استثناء من أعم الأوقات أَنْ: حرف نصب ومصدر، يَشَاءَ اللَّهُ: فعل وفاعل منصوب بـ أَنْ المصدرية رَبُّ الْعَالَمِينَ: بدل من الجلالة، أو نعت له، والجملة الفعلية مع أَنْ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه، والظرف المقدر منصوب على الاستثناء من أعم الأوقات، والتقدير: وما تشاؤون في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئة الله تعالى إياها؛ أي: مشيئتكم الاستقامة.
التصريف ومفردات اللغة
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)؛ أي: لفت وذهب بضوئها، وفي "المصباح": كار الرجل العمامة كورًا - من باب قال - أدارها على رأسه، وكل دور كور تسمية بالمصدر، والجمع: أكوار مثل ثوب وأثواب، وكورها بالتشديد مبالغةً، ومنه يقال: كورت الشيء إذا لففته على وجه الاستدارة، وقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) المراد به: طويت كطي السجل: وعبارة الزمخشري في التكوير وجهان:
أولًا: أن يكون من كورت العمامة إذا لففتها؛ أي: يلف ضوؤها لفًا، فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها؛ لأنها ما دامت
باقيةً كان ضياؤها منبسطًا غير ملفوف.
ثانيًا: أو يكون لفها عبارةً عن رفعها وسترها؛ لأن الثوب إذا أريد رفعه لف وطوي، ونحوه قوله: يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ، وأن يكون من: طعنه فجوره وكوره إذا ألقاه؛ أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار. ويتلخص مما أوردته معاجم اللغة ما يلي: وكار العمامة على رأس يكور كورًا إذا لفها وأدارها، وكور الله الليل على النهار: أدخل هذا في هذا، وكورت الشمس: جمع ضوؤها، ولف كما تلف العمامة. قيل: اضمحلت وذهبت.
وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)؛ أي: انقضت وتساقطت على الأرض، والأصل في الانكدار: الانصباب، وقال أبو عبيدة: انكدرت: انصبت، كما تنصب العقاب إذا كسرت، فانكدار النجوم: انتشارها وتساقطها حتى تذهب ويمحى ضوؤها.
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وتسيير الجبال يكون حين الرجفة التي تزلزل الأرض، فتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، وتقذفها في الفضاء. والسير: المضي في الأرض، والسير ضربان: باختيار وإرادة من السائر، نحو: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ، وبقهر وتسخير، كتسيير الجبال.
وَإِذَا الْعِشَارُ جمع عشراء - بضم العين وفتح الشين - النوق الحوامل، كالنفاس في جمع النفساء، وليس فعلاء يجمع على فعال غير عشراء ونفساء، كما في "القاموس". والعشراء: هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنّة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها، وروي أنه - ﷺ - مر في أصحابه بعشار من النوق، فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا، فلم تنظر إليها؟ فقال: "قد نهاني الله عن ذلك" ثم تلا: " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ... الآية". قال الأعشى في المدح:
| هُوَ الْوَاهِبُ الْمِئَةِ الْمَصْطَفَا | ةِ إِمَّا مَخَاضًا وَإِمَّا عِشَارَا |
وَإِذَا الْوُحُوشُ جمع وحش، والوحش: حيوان البر الذي ليس في طبعه صفحة رقم 182
التآنس ببني آدم، يجمع على: وحوش ووحشان، والواحد: وحشي كما مر عن "القاموس". والأهليّ: خلاف الوحشي.
حُشِرَتْ؛ أي: جمعت واختلط بعضها ببعض من هول ذلك اليوم، أو ماتت وهلكت.
سُجِّرَتْ يقال: سجر التنور يسجر سجرًا - من باب نصر -: إذا ملأه وقودًا وأحماه، وسجر الماء النهر إذا ملأه، وسجر البحر: فاض، وسجر الماء في حلقه: صبه، وسجر الكلب: سنده بالساجور، وسجر الشيء: أرسله، هذا ما ذكرته معاجم اللغة بصدد هذه المادة، وكلب مسجور: أي مطوق بالساجور، وهو طوق من حديد، مسمر بمسامير حديدة الأطراف، وقد أحصى القرطبي الأقوال في تسجير البحار كمادته، ونشير إليها بإيجاز: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)؛ أي:
١ - ملئت من الماء، فيفيض بعضها إلى بعض، فتصير شيئًا واحدًا.
٢ - وقيل: أرسل عذبها على مالحها حتى امتلأت.
٣ - وقيل: صارت بحرًا واحدًا.
٤ - وقيل: يبست فلا يبقى من مائها قطرة.
٥ - وقيل: أوقدت فصارت نارًا.
٦ - وقيل: هي حمرة مائها حتى تصير كأنها الدم.
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)؛ أي: قرنت الأرواح بأجسادها.
وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) والموءودة: هي التي دفنت وهي صغيرة، وقد كان ذلك عادة فاشية في جاهلية العرب، وكان ذوو الشرف منهم يمنعون من هذا، حتى افتخر بذلك الفرزدق فقال:
| وَجَدِّيْ الَّذِيْ مَنَعَ الْوَائِدَا | تِ وَأَحْيَا الْوَئِيْدَ فَلَمْ يُوْءَدِ |
وموءودة. وقال الزمخشري في "الكشاف": وأد يئد مقلوب من آد يؤود: إذا أثقل، قال الله تعالى: وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا؛ لأنه إثقال بالتراب.
وَإِذَا الصُّحُفُ والمراد بالصحف: صحف الأعمال الذي تنشر على العباد حين يقفون للحساب.
وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)؛ أي: كشفت وأزيلت عما فوقها، كما يكشط جلد الذبيحة عنها. قال الراغب: هو من كشط الناقة؛ أي: تنحية الجلد عنها، والكشط: التقشير، يقال: كشطت جلد الشاة. سلخته عنها.
سُعِّرَتْ؛ أي: أوقدت إيقادًا شديدًا. أُزْلِفَتْ؛ أي: أدنيت من أهلها وقربت منهم.
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) جمع: خانس، وهو المنقبض المستخفي، يقال: خنس فلان بين القوم إذا انقبض واختفى، والخنوس: الانقباض والاستخفاء، وبابه: دخل، وفي "الصحاح": الخنس: الكواكب كلها؛ لأنها تخنس في المغيب، ولأنها تخفى نهارًا.
الْجَوَارِ جمع: جارية؛ أي: سائرة، حذفت ياؤه في رسم المصحف تبعًا للفظ.
الْكُنَّسِ جمع كانس أو كانسة، من قولهم: كنس الظبي كنوسًا - من باب نزل - إذا دخل كناسه بكسر الكاف، وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر، وتكنس الظبي: تغيب واستمر في كناسه، وتكنس الرجل: دخل في الخيمة، وتكنست المرأة: دخلت في الهودج. والمراد فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦): جميع الكواكب، وخنوسها: غيوبتها عن البصر نهارًا، وكنوسها: ظهورها للبصر ليلًا، فهي تظهر في أفلاكها، كما تظهر الظباء في كنسها.
وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)؛ أي: أقبل بظلامه أو أدبر. قال الفراء: عسعس الليل وعسعس: إذا لم يبق منه إلا القليل. وقال الخليل: عسعس الليل: أقبل وأدبر.
وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)؛ أي: أسفر، وظهر نوره. قال علقمة بن قرط:
| حَتَّى إِذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسَا | وَانْجَابَ عَنْهَا لَيْلُهَا وَعَسْعَسَا |
| يَا هِنْدُ مَا أسْرَعَ مَا تَسَعْسَعَا | مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ فَتَى سَرَعْرَعَا |
مَكِينٍ؛ أي: ذي مكانة وجاه عند ربه، يعطيه ما سأله، يقال: مكن فلان لدى فلان إذا كانت له عنده حظوة ومنزلة.
مُطَاعٍ: اسم مفعول من أطاع الرباعي، أصله: مطوع بوزن مفعل، نقلت حركة الواو إلى الطاء فسكنت، لكنها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال.
وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) الظنين: المتهم، فعيل بمعنى مفعول يقال: ظننت الرجل اتهمته، والضنين: البخيل، قال الشاعر:
| أَجُوْدُ بِمَكْنُوْنِ الْحَدِيْثِ وَإِنَّنِيْ | بِسِرِّكَ عَنْ مَا سْأَلْتَنِي لَضَنِيْنُ |
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)؛ أي: أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة؟
لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)؛ أي: يثبت على الطريق الواضح، وأصل شَاءَ: شيء بوزن فعل بكسر العين، قلبت ياؤه ألفًا لتحركها بعد فتح، وأصل يَسْتَقِيمَ: يستقوم، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مد.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة الكريمة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)؛ لأن تكويرها صفحة رقم 185
عبارة عن إزالة نورها، والذهاب بها بحكم التزام زوال اللازم لزوال الملزوم، وفيه استعارة تصريحية تبعية؛ لأن التكوير حقيقة في تكوير الثوب والعمامة ولفها، فاستعير لإزالة ضوء الشمس بجامع الستر في كل، وكذا قوله: وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)؛ لأن السير حقيقة في الذهاب في الأرض والمضي فيها، فاستعير لإعدام الجبال وإزالتها عن مكانتها.
ومنها: توجيه السؤال إلى الموءودة في قوله: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨).. لتسليتها، وإظهار كمال الغيظ والسخط لوائدها، وإسقاطه عن درجة الخطاب، والمبالغة في تبكيته، ولذا لم يسأل الوائد عن موجب قتله لها، فإن سؤالها أفظع في ظهور جناية القاتل، وإلزام الحجة عليه، فإنه إذا قيل للموءودة: إن القتل لا يجوز إلا لذنب عظيم، فما ذنبك، وبأي ذنب قتلت؟ كان جوابها: إني قتلت بغير ذنب، فيفتضح القاتل ويصير مبهوتًا. اهـ "زاده".
ومنها: تنكير نَفْسٌ في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)؛ لإفادة العموم، وقد يعترض معترض بأن النكرة لا تفيد العموم إلا إذا كانت في سياق النفي، وهي هنا واقعة في سياق الإثبات، فلا تفيد العموم، بل تفيد الإفراد والنوعية، فكيف يتفق الإفراد مع العموم الذي يناسبه المقام؟ فالجواب: أن كونها للعموم في سياق النفي دون الإثبات أغلبي لا كلي، فلا ينافي أنه قد يقصد بها العموم في سياق الإثبات بقرينة المقام كما هنا، وقد يجاب هنا بجواب آخر: وهو أن النكرة هنا وقعت في سياق الشرط، وسياق الشرط كسياق النفي في أن النكرة للعموم إذا وقعت في كل منهما.
ومنها: الجناس الناقص بين الْخُنَّسِ و الْكُنَّسِ، وفي الكلمتين أيضًا فن الالتزام، وهو لزوم النون فيهما قبل السين.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) فقد شبه الليل بإنسان يقبل ويدبر، ثم حذف المشبه به، وأخذ منه شيئًا من لوازمه، وهو لفظ عسعس؛ أي: أقبل وأدبر، كما شبه الصبح بحيوان حي يتنفس، فحذف المشبه به، وأتى بشيء من لوازمه، وهو التنفس؛ أي: خروج النفس من الجوف، أو يقال: إنه شبه الليل بالمكروب الحزين الذي حبس بحيث لا يتحرك، فإذا تنفس وجد راحته، وهنا لما
طلع الصبح، فكأنه تخلص من الحزن كلية، فعبر عن ذلك بالتنفس.
ومنها: إسناد القول إلى جبريل في قوله: لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ فإسناد القول إليه باعتبار السببية الظاهرة في الإنزال والإيصال على أن المراد بالرسول هو جبريل.
ومنها: التعرض لعنوان المصاحبة في قوله: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) للتلويح بإحاطتهم بتفاصيل أحواله - ﷺ - خبرًا، وعلمهم بنزاهته عما نسبوه إليه بالكلية، فإنه كان بين أظهرهم في مدد طويلة، وقد جربوا عقله، فوجدوه أكمل الخلائق فيهم، ولقبوه بالأمين الصادق.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ فإن إسناد الإبانة إلى مطلع الشمس مجازي باعتبار المحلية لها، فإن الإبانة في الحقيقة لضياء الطالع منه كما مر.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) حيث شبه حالهم بحال من يترك الجادة وسلك غيرها، فإنه يقال له: أين تذهب؟ استظلالًا له وإنكارًا على تعسفه كما مر.
ومنها: الطباق بين لفظ الْجَحِيمُ و الْجَنَّةُ.
ومنها: الجناس الناقص بين أَمِينٍ و مَكِينٍ.
ومنها: توافق الفواصل رعاية لرؤوس الآيات مثل كُوِّرَتْ، سُيِّرَتْ سُجِّرَتْ، سُعِّرَتْ، ومثل الْخُنَّسِ و الْكُنَّسِ ومثل: عَسْعَسَ و تَنَفَّسَ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الموضوعات
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - أهوال يوم القيامة.
٢ - الإقسام بالنجوم وبالليل وبالصبح، على أن القرآن منزل من عند الله تعالى بوساطة رسول كريم.
٣ - إثبات نبوة محمد - ﷺ -.
٤ - بيان أن القرآن عظة وذكرى لمن أراد الهداية، وتوجهت نفسه إلى فعل الخير.
٥ - مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه، وليس لها استقلال بالعمل (١).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا
* * *
سورة الانفطار
سورة الانفطار مكية بلا خلاف، نزلت بعد سورة النازعات، وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) بمكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وآياتها: تسع عشرة آية، وكلماتها: ثمانون كلمة، وحروفها: ثلاث مئة وسبعة وعشرون حرفًا.
مناسبتها لما قبلها: أن الكلام في السابقة في البحث عن أهوال يوم القيامة، وهذه أيضًا، افتتحت بمثل ذلك ليتصل الكلام فيهما اتصال النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه، وكلها محكم، فليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
ومما ورد في فضلها: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي - ﷺ - قال: "من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)، و إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)، و إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) "، ومنه ما أخرجه النسائي عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء فطول، فقال النبي - ﷺ -: "أفتَّان أنت يا معاذ؟ أين أنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟ ". وأصل الحديث في الصحيحين، ولكن بدون ذكر: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)، وقد تفرد بها النسائي، وسميت بسورة الانفطار: أخذًا من مبدئها، وقد اشتملت هذه السورة على الكلام في البعث، والتذكير بيوم القيامة، وإن النفس تشهد فيه ما عملت، وعلى مناقشة الإنسان في شأن مخالفته لربه، وتماديه في فجوره مع أنه عَزَّ وَجَلَّ صاحب نعم جليلة عليه، وقد جعل له شهودًا عليه أو له، وهم عدول.
والله سبحانه وتعالى أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩).المناسبة
افتتح (١) سبحانه هذه السورة بمثل ما افتتح به سابقتها من ذكر أمور تحدث حين خراب هذا العالم، وتكون مقدمة ليوم العرض والحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، منها أمران علويان هما: انفطار السماء، وانتثار الكواكب. وأمران سفليان هما: تفجير البحار، وبعثرة القبور. ثم أبان أنه في ذلك اليوم تتجلى للنفوس أعمالها على حقيقتها، فلا ترى خيرًا في صورة شر، ولا تتخيل شرًا في مثال خير، كما يقع في الدنيا لأغلب النفوس، فيعرف أهل الخير أنهم وإن نجوا مقصرين، فيأسفون على ما تركوا، ويستبشرون بما عملوا، ويعض أهل السوء بنان الندم، ويوقنون بسوء المنقلب، ويتمنون أن لو كانوا ترابًا.
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ... الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في صدر السورة: أنه في يوم القيامة يبدل نظام هذا العالم، ويسأل الخلائق عما قدمت أيديهم، ويحاسبهم على ما اقترفوا من آثام، ويقرعهم على تكاسلهم في أداء ما أمروا به، ويجزيهم أحسن الجزاء على ما قدموا من عمل صالح.. أردف هذا بخطاب الإنسان، واستفساره عما دعاه إلى مخالفة خالقه، وتماديه في فجوره وطغيانه، واسترساله مع دواعي النفس الأمارة بالسوء،
مع أنه لو تدبر في نفسه، وفي خلقه.. لوجد من شواهد ربوبية خالقه ما هو جدير بشكرانه، ومداومته على طاعته، وهو الذي خلقه فسواه، وجعله على أحسن صورة، وكمله بالعقل والفهم والتدبر في عواقب الأمور ومصايرها.
قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ... إلى آخر السورة، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) أن من دلائل نعمه على الإنسان خلقه على أحسن صورة، وأن ذلك يدل على أن له حياةً أخرى غير هذه الحياة، فيها يجازى بما عمل من خير أو شر.. أعقب هذا ببيان أنه لا شيء يمنعه عن التصديق بهذا اليوم إلا العناد والتكذيب، فالشعور النفسي يوحي به، والدليل النقلي الذي أتى به الرسول يصدقه، والله لم يترك عملًا لعباده إلا أحصاه وحفظه، ليوفي كل عامل أجره، فقد وكل الكرام الكاتبين المطهرين عن الغلط والنسيان بكتابته وضبطه، ثم ذكر أن الناس في هذا اليوم فريقان: بررة مطيعون لربهم فيما به أمر وعنه نهى - وهؤلاء يتقلبون في النعيم - وفجرة يتركون أوامر الدين، وأولئك يكونون في دار العذاب والهوان، يقاسون حر النار، وأنه في هذا اليوم لا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، فيجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقرباء، فلا شفيع ولا نصير ولا وزير ولا مشير، والحكم لله وحده، وهو المهيمن على عباده، وبيده تصريف أمورهم، وهو الصادق في وعده، العدل الحكيم في وعيده، فلا مهرب لعامل مما أعدله من الجزاء على عمله.
أسباب النزول
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ... الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: نزلت في أبي بن خلف، والله أعلم.
وقد نقل البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأسود بن شريف حين ضرب النبي - ﷺ -، لم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ وورد أن النبي - ﷺ - لما تلا هذه الآية: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦).. قال: "غره جهله".. وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في
(٢) لباب النقول.
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي