ﭝﭞﭟ

وقَالَ بَعْضُهُمْ: بل يغور ماء كل بحر في مكانه، لا أن تجتمع المياه كلها في مكان واحد وبحر واحد.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: بل يمتزج بعضها ببعض؛ فتصير نارا يعذب بها أهلها، وكذلك قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)، وقال: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)، واللَّه أعلم أي ذلك يكون؟.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) أي: بعث مَن فيها، وتقذف القبور مَن فيها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) أي: تعلم الأنفس ما عملت، إلى آخر ما انتهى إليه عملها فلا يخفى عليها شيء من أمرها.
ومنهم من يقول: ما قدمت من خير وأخرت من شر فستعرفه في ذلك اليوم.
ومنهم من يقول: علمت ما قدمت من العمل؛ أي: بما عملت بنفسها، (وما أخرت) أي: ما سنت من السنة فعمل بها بعدها.
وهذا الذي ذكروه داخل في تفسير الجملة التي ذكرنا أنها تعلم من أول ما عملت إلى آخر ما انتهى إليه عملها.
* * *
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢).
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) يحتمل: عن ربك؛ فيكون تأويله: أي شيء غرك عن ربك الكريم؛ حتى اغتررت به؟! واغتراره عن ربه الإعراض عن طاعته وعبادته، وقد تستعمل الباء في موضع " عن "؛ قال اللَّه - تعالى -: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ)، ومعناها: يشرب عنها، لا أن يشربوا فيها كرعا، أو تجعل العين آنية لهم.
ثم وجه الجواب للمغتر باللَّه - تعالى - في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) هو أن كرمه دعا الإنسان إلى ركوب المعاصي؛ لأنه لم يأخذه بالعقوبة وقت

صفحة رقم 444

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية