وجملة : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ تعليل لكونه كان في الدنيا في أهله مسروراً، والمعنى : أن سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله، ولا يبعث للحساب والعقاب لتكذيبه بالبعث وجحده للدار الآخرة، و «أن » في قوله : أَن لَّن يَحُورَ هي : المخففة من الثقيلة سادّة مع ما في حيزها مسدّ مفعولي ظنّ، والحور في اللغة : الرجوع، يقال حار يحور : إذا رجع، وقال الراغب : الحور التردّد في الأمر، ومنه نعوذ بالله من الحور بعد الكور : أي من التردّد في الأمر بعد المضيّ فيه، ومحاورة الكلام مراجعته، والمحار المرجع والمصير. قال عكرمة وداود بن أبي هند : يحور كلمة بالحبشية، ومعناها يرجع. قال القرطبي : الحور في كلام العرب : الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :«اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور » يعني : من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم، وفي المثل حور في محار : أي نقصان في نقصان، ومنه قول الشاعر :
والدم يسفى ورادّ القوم في حور ***. . .
والحور أيضاً : الهلكة، ومنه قول الراجز :
في بئر لا حور سرا وما شعر ***. . .
قال أبو عبيدة : أي في بئر حور، ولا زائدة.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ليس أحد يحاسب إلا هلك، فقلت أليس يقول الله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ؟ قال : ليس ذلك بالحساب ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك». وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بعض صلاته :«اللهم حاسبني حساباً يسيراً، فلما انصرف قلت : يا رسول الله ما الحساب اليسير ؟ قال : أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب هلك». وفي بعض ألفاظ الحديث الأوّل، وهذا الحديث الآخر :«من نوقش الحساب عذّب». وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ثلاث من كنّ فيه يحاسبه الله حساباً يسيراً ويدخله الجنة برحمته : تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك». وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : يَدْعُواْ ثُبُوراً قال : الويل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ قال : يبعث. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً أَن لَّن يَحُورَ قال : أن لن يرجع. وأخرج سمويه في فوائده عن عمر بن الخطاب قال : الشفق الحمرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : الشفق النهار كله. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : والليل وَمَا وَسَقَ قال : وما دخل فيه.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه وَمَا وَسَقَ قال : وما جمع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : والقمر إِذَا اتسق قال : إذا استوى. وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري من طرق عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : والليل وَمَا وَسَقَ قال : وما جمع، أما سمعت قوله :
وأخرج عبد بن حميد عنه والقمر إِذَا اتسق قال : ليلة ثلاثة عشر. وأخرج عبد بن حميد عن عمر بن الخطاب لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ قال : حالاً بعد حال. وأخرج البخاري عن ابن عباس لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ حالاً بعد حال، قال : هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم. وأخرج أبو عبيد في القراءات وسعيد ابن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ :«لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ» يعني : بفتح الباء من تركبنّ . وقال : يعني : نبيكم صلى الله عليه وسلم حالاً بعد حال. وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عنه قال : لَتَرْكَبُنَّ يا محمد السماء طَبَقاً عَن طَبقٍ . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم في الكنى والطبراني وابن منده وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ :«لتركبنّ» يعني : بفتح الباء. وقال لتركبنّ يا محمد سماء بعد سماء. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ قال : يعني : السماء تنفطر، ثم تنشق، ثم تحمّر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عنه أيضاً في الآية قال : السماء تكون كالمهل، وتكون وردة كالدّهان، وتكون واهية، وتشقق فتكون حالاً بعد حال. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ قال : يسرّون. إن لنا قلائصاً نقانقا مستوسقات لو يجدن سائقاً
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني