أول ما يواجهنا في هذا الربع من كتاب الله هو التلويح بالقسم على أنه لا مفر للإنسان من التقلب في عدة أطوار، خلال حياته الأولى وعند مماته، ثم في حياته الثانية، طبقا لمشيئة الله وحكمته، وقد استعرض كتاب الله أمام الإنسان عدة مشاهد كونية تدفعه إلى مزيد من التأمل والتدبر والاعتبار، واختار الوحي الإلهي هذه المشاهد هنا من بين مشاهد الليل، لا من بين مشاهد النهار، إذ الليل أجمع للفكر، وظواهره أدعى إلى التأمل العميق، والاعتبار الدقيق، فأشار كتاب الله في هذا السياق إلى " الشفق الأحمر " الذي يلاحق غروب الشمس في أول الليل، ويمتد إلى وقت العشاء، ولمنظره روعة وأية روعة، وإيحاء وأي إيحاء.
وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " الليل المظلم " وما يرافق قدومه من مظاهر وظواهر تختلف كل الاختلاف عن مظاهر النهار وظواهره، ولظلام الليل رهبة وأية رهبة، وجلال وأي جلال.
وأشار كتاب الله في نفس السياق إلى " القمر المنير "، ولتكامل نوره إذا استدار تأثير وأي تأثير، وجمال وأي جمال.
وإذا كانت قوات الكون كلها مسخرة لله تتحرك بأمره كما يشاء، وتؤدي وظيفتها كما يريد على أحسن الوجوه، إلى ميقات يوم معلوم، فهل يستطيع الإنسان، وهو جزء صغير من هذا الكون الذي لا يتجزأ، أن يفلت من قبضة الله، أو أن يتحرك على خلاف مشيئته وبعكس إرادته ؟ إنه لن يستطيع ذلك، ولا بد من أن يندمج في ناموس الكون العام، مصداقا لقوله تعالى : فلا أقسم بالشفق١٦ والليل وما وسق١٧ والقمر إذا اتسق ١٨لتركبن طبقا عن طبق١٩ .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري