ثم قال : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ من تمام الصفة أنه المالك لجميع السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي : لا يغيب عنه شيء في جميع السموات والأرض، ولا تخفى عليه خافية.
وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة، من هم. فعن علي، رضي الله عنه، أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج(١) المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم.
وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدُّوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.
وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة، واحدهم(٢) حَبَشِيٌّ.
وقال العوفي، عن ابن عباس : قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ قال : ناس من بني إسرائيل، خَدّوا أخدودًا في الأرض، ثم أوقدوا فيه نارا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء، فعُرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه.
وهكذا قال الضحاك بن مٌزَاحم، وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن(٣) عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك : إني قد كبرت سِنِّي وحضر أجلي، فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر. فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال : ما حبسك ؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا : ما حبسك ؟ فشكا ذلك إلى الراهب، فقال : إذا أراد الساحر أن يضربك فقل : حبسني أهلي. وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل : حبسني الساحر.
قال : فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة، قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال : اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر. قال : فأخذ حجرًا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس. ورماها فقتلها، ومضى الناس. فأخبر الراهب بذلك فقال : أيْ بُنَي، أنت أفضل مني، وإنك سَتُبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي. فكان الغلام يبُرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان جليس للملك فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال : اشفني ولك ما هاهنا أجمعُ. فقال : ما أنا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، عز وجل، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك. فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك : يا فلان، من رَدّ عليك بصرك ؟ فقال : ربي ؟ فقال : أنا ؟ قال : لا ربي وربك الله. قال : ولك رب غيري ؟ قال : نعم، ربي وربك الله. فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال : أيْ بُنَي، بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء ؟ قال : ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله، عز وجل. قال : أنا ؟ قال : لا. قال : أولك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله. فأخذه أيضا بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب فقال : ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى : ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام : ارجع عن دينك، فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال : إذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فَدَهدهوه [ من فوقه ](٤) فذهبوا به، فلما علوا به الجبل قال : اللهم، اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله. فبعث به مع نفر في قُرقُور فقال : إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرِّقوه في البحر. فلججوا به البحر فقال الغلام. اللهم، اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله. ثم قال للملك : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع، وتأخذ سهمًا من كنانتي ثم قل :" بسم الله رب الغلام "، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل، ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه، وقال :" باسم الله رب الغلام ". فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس : آمنا برب الغلام. فقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر ؟ فقد - والله - نزل بك، قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فَخُدّت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال : من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها. قال : فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي : اصبري يا أماه، فإنك على الحق ".
وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هُدْبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه(٥) ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة(٦) ومن طريق حماد بن زيد، كلاهما عن ثابت، به واختصروا أوله. وقد جَوّده الإمام أبو عيسى الترمذي، فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غَيلانَ وعَبد بن حُمَيد - المعنى واحد - قالا أخبرنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ثابت البُناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صُهَيب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر هَمَس - والهَمس في قول بعضهم : تحريك شفتيه كأنه يتكلم - فقيل له : إنك - يا رسول الله - إذا صليت العصر همست ؟ قال :" إن نبيا من الأنبياء، كان أُعجِب بأمته فقال : من يقوم لهؤلاء ؟. فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلَّط عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفا ". قال : وكان إذا حَدّث بهذا الحديث، حَدّث بهذا الحديث الآخر قال : كان مَلك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن تكهن له، فقال الكاهن : انظروا لي غلامًا فَهِمًا - أو قال : فِطِنًا لَقِنًا - فأعلمه علمي هذا فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره(٧) يقول الله عز وجل : قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ حتى بلغ : الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قال : فأما الغلام فإنه دفن قال : فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب، وإصبعه على صُدغه كما وضعها حين قتل. ثم قال الترمذي : حسن غريب(٨).
وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزِّي : فيحتمل أن يكون من كلام صُهَيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم.
وقد أورد محمد بن إسحاق بن يَسَار هذه القصة في السيرة بسياق آخر، فيها مخالفة لما تقدم فقال : حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي - وحدثني أيضًا بعض أهل نجران، عن أهلها : أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبًا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جمَاعُ أهل تلك البلاد - ساحرٌ يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فَيمُون(٩) - ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا : رجل نزلها - ابتنى(١٠) خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه إياه وقال له : يا ابن أخي، إنك لن تحمله ؛ أخشى ضعفك عنه. والثامر أبو عبد الله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى أقداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدْح، وكل اسم في قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارًا ثم جعل يقذفها فيها قدْحا قدْحًا، حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بِقدْحه، فوثب القدْح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي كتمه فقال : وما هو : قال : هو كذا وكذا. قال : وكيف علمته ؟ فأخبره بما صنع. قال : أي ابن أخي، قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.
فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضر إلا قال : يا عبد الله، أتوحدُ الله وتدخلُ في ديني وأدعو الله لك فيعافيكَ مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول : نعم. فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له فَيشفَى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له : أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفت ديني ودين آبائي، لأمثلنّ بك. قال : لا تقدر على ذلك. قال : فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فَيُطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه نجران، بُحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر : إنك - والله - لا تقدر على قتلي حتى تُوَحّدَ الله فَتُؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سُلّطتَ عليّ فقتلتني. قال : فوحّدَ الله ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه. واستجمع أهلُ نجران على دين عبد الله بن الثامر - وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم، عليه السلام، من الإنجيل وحُكمه - ثم أصابهم ما أصاب أهلَ دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.
قال ابن إسحاق : فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أيّ ذلك كان.
قال : فسار إليهم ذو نواس بجنده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيَّرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخدّ الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفا، ففي ذي نواس وجنده أنزل الله، عز وجل، على رسوله صلى الله عليه وسلم : قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد (١١).
هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس، واسمه : زرعة، ويسمَّى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن تِبَان أسعد أبي كَرب، وهو تُبَّع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة، واستصحب معه حبرين من يه
٢ - (٢) في م، أ: "ونبيهم"..
٣ - (٣) في أ: "بن"..
٤ - (١) زيادة من المسند..
٥ - (١) المسند (٦/١٦) وصحيح مسلم برقم (٣٠٠٥)..
٦ - (٢) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٦١)..
٧ - (٣) في أ: "في أواخره"..
٨ - (٤) سنن الترمذي برقم (٣٣٤٠)..
٩ - (٥) في أ: "ميمون"..
١٠ - (٦) في م: "فابتنى"..
١١ - (١) السيرة النبوية لابن هشام (١/٣٤)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة