الآيات ٦ – ١٠ : وقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد ؟ في ذكر نبإ عاد وثمود فوائد ثلاث :
أحدها : في موضع التخويف لأهل الذين كذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أن أولئك القوم كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا وأكثر في القوة من هؤلاء الذين كذبوا محمدا، عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يغنهم ذلك كله من الله تعالى [ شيئا، بل الله تعالى ]١ انتقم منهم لرسله عليهم السلام بما كذبوهم. فما بال هؤلاء الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم لا يخافون مقته وحلول النقمة بتكذيبهم رسوله ؟ وليسوا بأكثر من أولئك في العدد والمال والقوة.
[ الثانية :]٢ أن أولئك كانوا يزعمون أنهم بالله تعالى أولى من أمة محمد عليه السلام وأتباعه لما بسط لهم من النعيم، وضيق على رسول وأتباعه، فتبين أن الذين تقدمهم من مكذبي الرسل كانوا أرفع منهم في القوى والأموال والأولاد والأعداد، وكانت رسلهم في ضيق من العيش، ثم كانوا هم أولى بالله تعالى من المكذبين المفتخرين بكثرة الأعداد والقوى، فبين لهم هذا ليعلموا أن ليس الأمر على ما ظنوا، وحسبوا.
والثالثة٣ : أنهم كانوا يمتنعون عن الإيمان بالله تعالى وبرسله، وكانوا يقولون : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ الزخرف : ٢٣ ] فيكون في ذكر هذا نفي التقليد لأولئك لأنه كان في آبائهم من أهلك بتكذيبهم الرسل، وهم الفراعنة وأتباعهم، وفيهم من نجا، وهم الرسل وأتباعهم المصدقون لهم، فما بالهم قلدوا المهلكين منهم دون الذين نجوا ؟
ثم الآية لم تسق ليعرف نسب عاد وثمود وفرعون حتى يشتغل بتعرفه، وإنما سيقت للأوجه التي ذكرنا ؛ فالاشتغال بتعرف أنسابهم وأحوالهم نوع من التكلف.
وقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بعاد فقوله : ألم تر يحتمل وجهين :
أحدهما : أي قد رأيت كما يقال في الشاهد : ألم تر إلى ما فعل فلان، أي قد رأيت، وعلمت، فيخبره بصنيعه على جهة التشكي منه.
[ الثاني ]٤ : أنه يكون هذا ابتداء إعلام منه، فيقول له : اعلم أن ربك فعل بعاد كذا.
واختلفوا في قوله تعالى : إرم فقال بعضهم : هو أبو عاد، وقال بعضهم : أبو القبيلة، فنسب إليه عاد كما يقال : هو من بكر بن وائل، وإن لم يكن ابنه.
وقال بعضهم : إرم مساكن عاد، وقيل : هو اسم الذي بنى تلك الأماكن.
وقوله : ذات العماد قال بعضهم : ذات الأجسام الطوال كما ذكر في القصة، وقال بعضهم : ذات البناء المشيد المرفوع في السماء كالعمد الطوال، فيرجع إلى الإرم على تأويل من جعله عبارة عن المساكن، وقال بعضهم ذات العماد هي الخيام، لها أطناب وعمد ؛ كانوا أصحاب خيام وقباب، وكانت مساكنهم مرفوعة بالعماد.
وقوله تعالى : التي لم يخلق مثلها في البلاد قال بعضهم : هذا وصف القوم بالشدة والقوة وعظم القوة والخلقة وفضل البصر في الأمور كقوله تعالى : وزادكم في الخلق بصطة [ الأعراف : ٦٩ ] وقوله٥ حكاية عنهم : وقالوا من أشد منا قوة [ فصلت : ١٥ ] وقوله تعالى : وكانوا مستبصرين [ العنكبوت : ٣٨ ] فوصفهم بفضل البصر.
وجائز أن يكون أريد بها المساكن التي٦ بنوها أن ليس مثلها في البلاد.
وقوله تعالى : وثمود الذين جابوا الصخر بالواد قال بعضهم : اتخذوا من الصخور جوابي أي قصاعا كما قال تعالى : وجفان كالجواب [ سبإ : ١٣ ] وقال بعضهم :[ نحتوا ]٧ في الصخور بيوتا كقوله تعالى : ينحتون من الجبال بيوتا آمنين [ الحجر : ٨٢ ] فيكون في هذا إخبار عن قواهم وشدتهم.
وقوله تعالى : وفرعون ذي الأوتاد قال بعضهم : سماه ذا الأوتاد، والوتد الجبل، وقال بعضهم : سمي ذا الأوتاد لأنه كانت له أوتاد نصبها لتعذيب من غضب عليه، وقال بعضهم : إنه كان نصّب على الطريق أناسا : على كل طريق إنسانا راصدا وحافظا. وقيل : أي ذو قصور وبنيان مشيدة مرفوعة تشبه الجبال ؛ إذ هي أوتاد الأرض.
٢ في الأصل وم: وفائدة أخرى..
٣ في الأصل وم: والثالث..
٤ في الأصل وم: ويحتمل..
٥ في الأصل وم: وقال..
٦ في الأصل وم: الذين..
٧ ساقطة من الأصل وم..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم