قال الله تعالى :
فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون [ التوبة : ١١ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ١٠ ] ما أول واجب على المكلف ؟
( قال أبو محمد : فنقول وبالله تعالى التوفيق :
إن التسمية والحكم ليس إلينا، وإنما هما إلى خالق اللغات، وخالق الناطقين بها، وخالق الأشياء، ومرتبها، كما شاء. لا إله إلا هو. قال عز وجل على من سمى من قبل نفسه :
إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان [ النجم : ٢٣ ].
فوجدناه عز وجل يقول في غير موضع من القرآن : يا أيها الذين آمنوا .
وقال تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [ الحجرات : ٩ ].
وقال تعالى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين [ التوبة : ١١ ].
فخاطب الله تعالى بهذه النصوص وبغيرها، وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مؤمن في العالم إلى يوم القيامة، وبيقين ندري : أنه كان من المؤمنين على عهده عليه السلام، ثم من بعده عصرا عصرا، إلى يوم القيامة المستدل، وهم الأقل، وغير المستدل، كمن أسلم من الزنج، ومن الروم، والفرس، والإماء، وضعفة النساء، والرعاة ومن نشأ على الإسلام بتعليم أبيه، أو سيده إياه، وهم الأكثر والجمهور، فسماهم الله عز وجل مؤمنين، وحكم لهم بحكم الإسلام، وهذا كله معروف بالمشاهدة والضرورة.
وقال تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم [ الإسراء : ٣٦ ].
فنهى الله عز وجل كل أحد عن أن يقول ما ليس له به علم.
وقال تعالى : آمنوا بالله ورسوله [ النساء : ١٣٦ ].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويؤمنوا بما أرسلت به " ١.
فصح يقينا أنهم كلهم مأمورون بالقول بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن كل من صد عنه، فهو كافر حلال دمه وماله، فلو لم يؤمن بالقول بالإيمان إلا من عرفه من طريق الاستدلال، لكان كل من لم يستدل ممن ذكرنا منهيا عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن القول بتصديقه، لأنه عند هؤلاء القوم ليسوا عالمين بذلك، وهذا خلاف القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الأمة المتيقن.
أما القرآن والسنة، فقد ذكرناهما، وأما إجماع الأمة : فمن الباطل المتيقن أن يكون الاستدلال فرضا لا يصح أن يكون أحد مسلما إلا به، ثم يغفل الله عز وجل أن يقول : لا تقبلوا من أحد أنه مسلم حتى يستدل، أتراه نسي ؟ ! تعالى عن ذلك، أو تعمد عز وجل ترك ذكر ذلك إضلالا لعباده ! ويترك ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إما عمدا، أو قصدا إلى الضلال، والإضلال ! أو نسيانا لما اهتدى له هؤلاء، وتنبهوا إليه وهم من هم : بلادة، وجهلا، وسقوطا، هذا لا يظنه إلا كافر، ولا يحققه إلا مشرك. فما قال قط رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قرية، أو حلة، أو حي، ولا لراع ولا لراعية، ولا للزنج، ولا للنساء : لا أقبل إسلامكم حتى أعلم المستدل من غيره، فإذا لم يقل عليه السلام ذلك، فالقول به واعتقاده إفك وضلال، وكذلك أجمع جميع الصحابة رضي الله عنهم على الدعاء إلى الإسلام وقبوله من كل أحد، دون ذكر استدلال، ثم هكذا جيلا، فجيلا، حتى حدث من لا وزن له )٢.
٢ (الفصل) (٥/٢٤٢-٢٤٤)، وانظر (المحلى) (١/٢٢)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري