مِنَ الْأَنْصَارِ: «أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَالسَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، وَلَا يُنَازِعُوا فِي الْأَمْرِ أَهْلَهُ، وَيَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ، قَالُوا: نَعَمْ قَالَ قَائِلُ الْأَنْصَارِ: نَعَمْ، هَذَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا لَنَا؟ قال: الجنة». وأخرج ابن سعد أيضا من وجه آخر ليس فِي قِصَّةِ الْعَقَبَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
مَنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ التِّسْعِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الشَّهِيدُ مَنْ كَانَ فِيهِ التِّسْعُ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ: الْعَابِدُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّائِحِينَ فَقَالَ: «هُمُ الصَّائِمُونَ». وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ النَّجَّارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الْمَرْفُوعِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَحَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلٌ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلُ هَذَا: مِنْهُمْ عَائِشَةُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي الشَّيْخِ، وَمِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فِي السِّيَاحَةِ فَقَالَ «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذِهِ أَعْمَالٌ قَالَ فِيهَا أَصْحَابُ النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَضَى عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ شَهِيدًا، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا فَقَدْ وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: الشَّهِيدُ مَنْ لَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ مَاتَ وَفِيهِ تِسْعٌ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ يَعْنِي بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ: التَّائِبُونَ إِلَى قَوْلِهِ: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ يعني: القائمين عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَهُوَ شَرْطٌ اشْتَرَطَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجِهَادِ، وَإِذَا وَفَّوْا لِلَّهِ بِشَرْطِهِ وفى لهم بشرطهم.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١١٣ الى ١١٤]
مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)
لما بيّن سُبْحَانَهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ وَمَا بَعْدَهُ: أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاجِبَةٌ، بَيَّنَ سُبْحَانَهُ هُنَا مَا يَزِيدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا، وَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُتَحَتِّمٌ، وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى، وَأَنَّ الْقَرَابَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُكْمِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: أَنَّ مَا كانَ فِي الْقُرْآنِ، يَأْتِي عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَلَى النَّفْيِ نَحْوِ: مَا كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «١». وَالْآخَرُ: عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ، نَحْوِ: مَا كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ «٢» وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَهَذِهِ الْآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِقَطْعِ الْمُوَالَاةِ لِلْكَفَّارِ، وَتَحْرِيمِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَالدُّعَاءِ بِمَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ كَافِرًا، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ الْمُشْرِكُونَ رَبَاعِيَتَهُ وَشَجُّوا وَجْهَهُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَلَغَهُ كَمَا يُفِيدُهُ سَبَبُ النُّزُولِ، فَإِنَّهُ قَبْلَ يَوْمِ أُحُدٍ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَسَيَأْتِي. فَصُدُورُ هَذَا الِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ لِقَوْمِهِ إِنَّمَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». وَفِي الْبُخَارِيِّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ ذَكَرَ نَبِيًّا قَبْلَهُ شَجَّهُ قَوْمُهُ، فَجَعَلَ النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ يُخْبِرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». قَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَتَضَمَّنُ التَّعْلِيلَ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا التَّبَيُّنَ مُوجِبٌ لِقَطْعِ الْمُوَالَاةِ لِمَنْ كَانَ هَكَذَا، وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْقَرَابَةِ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الشِّرْكِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ «٣» فَطَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ فِي حُكْمِ الْمُخَالَفَةِ لِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ. قَوْلُهُ: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الْآيَةَ: ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ السَّبَبَ فِي اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لِأَجْلِ وَعْدٍ تَقَدَّمَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ وَتَبَرَّأَ مِنْهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنه عدوّ لله، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِلِاسْتِغْفَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا وَعَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَمِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى السُّؤَالِ الَّذِي يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّهُ كَيْفَ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ وَمَاتَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا بِإِخْبَارِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ بِأَنَّهُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَإِنَّ ثُبُوتَ هَذِهِ الْعَدَاوَةِ تَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَعْلَمْ نبينا صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَهَذَا حُكْمٌ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ لَا بِالْعَقْلِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنِ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ: دُعَاؤُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى جَنَائِزِ الْكُفَّارِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً «٤» وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَفْسِيرِ الِاسْتِغْفَارِ بِالصَّلَاةِ وَلَا مُلْجِئَ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ بِالثَّنَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ وَهُوَ كَثِيرُ التَّأَوُّهِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صِيغَةُ الْمُبَالَغَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَى الْأَوَّاهِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إِنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ الدُّعَاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِنَّهُ الرَّحِيمُ بِعِبَادِ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ الْقَفْرِ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُكْثِرُ الذِّكْرَ لِلَّهِ من غير تقييد، روي
(٢). الأحزاب: ٥٣.
(٣). النساء: ٤٨.
(٤). التوبة: ٨٤.
ذَلِكَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُكْثِرُ التِّلَاوَةَ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْفَقِيهُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ، وَقِيلَ: الْمُتَضَرِّعُ الْخَاضِعُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي إِذَا ذَكَرَ خَطَايَاهُ اسْتَغْفَرَ لَهَا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. وَقِيلَ: هُوَ الشَّفِيقُ، قاله عبد العزيز بن يحيى.
وقيل: إِنَّهُ الْمُعَلِّمُ لِلْخَيْرِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الرَّاجِعُ عَنْ كُلِّ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ، قَالَهُ عَطَاءٌ. وَالْمُطَابِقُ لِمَعْنَى الْأَوَّاهِ لُغَةً، أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ ذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ مَثَلًا: آهٍ مِنْ ذُنُوبِي، آهٍ مِمَّا أُعَاقَبُ بِهِ بِسَبَبِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَمَعْنَى التَّأَوُّهِ: هُوَ أَنْ يُسْمَعَ لِلصَّدْرِ صَوْتٌ مِنْ تَنَفُّسِ الصُّعَدَاءِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَقَدْ أَوَّهَ الرَّجُلُ تَأْوِيهًا، وَتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إِذَا قَالَ أَوْهِ، وَالِاسْمُ مِنْهُ: آهَةٌ بِالْمَدِّ، قَالَ:
| إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ | تأوّه آهة الرّجل الحزين |
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ أَبَا طَالِبٍ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم وعنده أبو جهل وعبد بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيْ عَمِّ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله أحاج بِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ يُعَانِدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لأستغفر لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَنَزَلَتْ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ الْآيَةَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «١». وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:
سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْكَ وَهُمَا مشركان؟ فقال: أو لم يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أخبرت النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، فَبَكَى، فَقَالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَوَارِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، فَفَعَلْتُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَيَّامًا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ الْآيَةَ. وَقَدْ رُوِيَ كَوْنُ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ استغفار النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي الشَّيْخِ وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَمِنْهَا: عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا. وَمِنْهَا: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ أَيْضًا. وَمِنْهَا: عن عمر ابن الْخَطَّابِ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَأَبِي الشَّيْخِ وَابْنِ عَسَاكِرَ. وَمِنْهَا: عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ وَهُوَ مُرْسَلٌ.
وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ زيارة النبي صلّى الله عليه وَسَلَّمَ لَقَبْرِ أُمِّهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ لَهَا، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمِ وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، وَعَنْ بريدة عند
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني