ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

الخبر من المبتدأ، فالتأويل: التَّائِبُونَ إلى قوله: السَّاجِدُونَ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (١) بعضه في إثر بعض.
وقوله تعالى: وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٢)، ومعناه: العاملون بما افترض الله عليهم)، وقال الزجاج: (القائمون بما أمر الله به) (٣).
١١٣ - قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية، قال عامة المفسرين: (إن النبي - ﷺ - عرض على عمه أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، وقال: "أعني على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة"، فأبى أبو طالب، فقال النبي - ﷺ -: "لأستغفرن لك حتى أنهى عن ذلك" فاستغفر له بعدما مات، فاستغفر المسلمون لآبائهم وذوي قراباتهم، فنزلت هذه الآية (٤)، وهذا قول الزهري (٥) وسعيد بن المسيب (٦)

(١) في (ح): (الفصل).
(٢) لم أجده فيما بين يدي من المصادر.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٧٢.
(٤) انظر: "تفسير ابن جرير" ١١/ ٤١ - ٤٣، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٤، والثعلبي ٦/ ١٥٢ أ، والبغوي ٤/ ١٠٠، والحديث في "صحيح البخاري"، كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك: لا إله إلا الله، و"صحيح مسلم" (٣٩)، كتاب: الإيمان،

باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت.


(٥) لم أجد من ذكره عنه، وإنما يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه، انظر: المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٤٢.

صفحة رقم 73

وعمرو بن دينار (١) ومحمد بن كعب (٢)، واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام (٣)، والله أعلم.
وقال عطاء عن ابن عباس: إن رسول الله - ﷺ - سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فأرشده فذهب إليهما وكان يدعو لهما، وعلي يؤمن فنزلت هذه الآية) (٤) [وهذا قول أبي هريرة (٥).
وقال الوالبي عنه (٦): كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية (٧)] (٨) وهو قول قتادة، وقال: استأذنوا رسول الله - ﷺ - أن يستغفروا لآبائهم فقال: "وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" فنزلت هذه الآية) (٩).

(١) رواه ابن جرير ١١/ ٤١ - ٤٢.
(٢) رواه ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٤ - ١٨٩٥، والثعلبي ٦/ ١٥٢ ب، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٠٥.
(٣) انظر قول الحسين بن الفضل في "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٥٢ ب واعتراضه هذا محل نظر؛ فإن السور المدنية قد يتخللها بعض الآيات المكية، لاسيما وقد صح نزول الآية في قصة أبي طالب وخرجها البخاري ومسلم كما تقدم، وثمة احتمال آخر وهو أن النبي - ﷺ - استمر في الاستغفار لعمه حتى نزلت عليه هذه الآية في المدينة، والله أعلم.
(٤) لم أجده.
(٥) ذكره الثعلبي ٦/ ١٥٣ ب، والبغوي ٤/ ١٠١ بغير سند.
(٦) يعني عن ابن عباس كما في المصادر التالية.
(٧) رواه ابن جرير ١١/ ٤٢، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٣، والثعلبي ٦/ ١٥٣ ب.
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٩) رواه ابن جرير ١١/ ٤٣، والثعلبي ٦/ ١٥٣ ب، والبغوي ٤/ ١٠١.

صفحة رقم 74

قال أهل المعاني: قوله مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ حظر وتحريم ونهي، وقد يأتي في القرآن بمعنى النفي البتة، كقوله: مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا [النمل: ٦٠] و وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [آل عمران: ١٤٥] (١).
والاستغفار طلب المغفرة، وليس يجوز أن يطلب من الله غفران الشرك؛ لأنه طلب ما أخبر أنه لا يفعل (٢).
وقوله تعالى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، قال أبو إسحاق: (أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله -عز وجل- كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه [فقال: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ (٣) الآية] (٤).
قال عطاء عن ابن عباس: (كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر (٥) تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله فترك الدعاء له) (٦)، فعلى هذا قوله: وَعَدَهَا إِيَّاهُ الكناية في إِيَّاهُ تعود

(١) ذكره عنهم دون تعيين الثعلبي في "تفسيره" ٦/ ١٥٣ ب بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" ٨/ ٢٧٤.
(٢) يعني في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨، ١١٦].
(٣) اهـ. كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٧٣.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٥) ساقط من (ى).
(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٢٨، والقرطبي في "تفسيره" ٨/ ٢٧٤، وبدون نسبة الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٧٣، والثعلبي ٦/ ١٥٤ أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٥٠٩.
وقد سبق بيان أن رواية عطاء عن ابن عباس مكذوبة، ثم إن هذا القول مستبعد من =

صفحة رقم 75

على إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن تعود على أبي إبراهيم ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه [أن يستغفر له رجاء إسلامه وأن ينقل الله أباه باستغفاره له] (١) من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركًا ويئس (٢) من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له، والدليل على صحة هذا قراءة الحسن (وعدها أباه) بالباء (٣)، وهذا الوعد من إبراهيم ظاهر في قوله تعالى: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم: ٤٧] وقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤].
وقوله تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الأواه: الخاشع المتضرع" (٤).
ويروى أن عمر سأل رسول الله - ﷺ - عن الأواه فقال: "الأواه

= أبي إبراهيم لقوله فيما أخبر الله عنه: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم: ٤٦ - ٤٧] والآية الثانية تدل على أن إبراهيم وعده بالاستغفار وهو مصر على كفره.
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢) في (م): (تبين)، وهو خطأ.
(٣) انظر: "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٥٤ ب، و"الكشاف" ٢/ ٢١٧، والبغوي ٤/ ١٠١. ونسبها ابن خالويه إلى حماد الراوية وقال: (يقال إنه صحفه). انظر: " مختصر في شواذ القرآن" ص ٥٥، وزاد أبو حيان في "البحر المحيط" ٥/ ١٠٥ نسبتها إلى ابن السميفع وأبي نهيك ومعاذ القارئ.
(٤) رواه ابن جرير ١١/ ٥١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٩٦، والثعلبي ٦/ ١٥٤ ب، وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" ٣/ ٥٠٩ عن عبد الله بن شداد وهو تابعي فالحديث مرسل، ولم أجد من ذكره موصولاً، ثم إن في سنده شهر بن حوشب، متكلم فيه، قال ابن حجر: صدوق كثير الإرسال والأوهام، وقال ابن عدي: (ضعيف جدًا). "تقريب التهذيب" ١/ ٣٥٥، و"تهذيب التهذيب" ٤/ ٣٣٨.

صفحة رقم 76

الدعاء" (١).
قال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: (الأواه: الدعاء (٣) الكثير البكاء) (٤).
وقال في رواية عطية: (الأواه: المؤمن [بالحبشية) (٥)، وقال في رواية الوالبي: (الأواه: المؤمن التواب) (٦)] (٧).
وقال في رواية أبي ظبيان: (الأواه: الموقن) (٨) وهو قول مجاهد (٩).
وقال الفراء: (هو الذي يتأوه من الذنوب) (١٠).
وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: (الأواه: الرحيم) (١١).

(١) ذكره الرازي في "تفسيره" ١٦/ ٢١١ ولم أجد من ذكره غيره، وذكر الثعلبي بغير سند عن أنس قال: تكلمت امرأة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيء كرهه فنهاها عمر -رضي الله عنه- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "دعوها فإنها أواهة"، قيل يا رسول الله وما الأواهة؟ قال: "الخاشعة". "تفسير الثعلبي" ٦/ ١٥٤ ب.
(٢) في (ى): (ابن إسحاق)، وهو خطأ.
(٣) ساقط من (م).
(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" ٢/ ٥٢٨.
(٥) رواه ابن جرير ١١/ ٥٠، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ.
(٦) رواه ابن جرير ١١/ ٥٠، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٦، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ، والبغوي ٤/ ١٠٢.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٨) رواه ابن جرير ١١/ ٤٩، والثعلبي ٦/ ١٥٥/ أ.
(٩) انظر: المصدرين السابقين، نفس الموضع، و"تفسير ابن أبي حاتم" ٦/ ١٨٩٦، والبغوي ٤/ ١٠٢.
(١٠) "معاني القرآن" ٢/ ٢٣، ونسبة هذا القول للفراء فيها نظر؛ فإن نصر عبارته: (قوله (أواه): دعاء، ويقال: هو الذي يتأوه من الذنوب).
(١١) رواه عنهم ابن جرير ١١/ ٤٧ - ٤٩، وابن أي حاتم ٦/ ١٨٩٦، والثعلبي ٦/ ١٥٥ أ.

صفحة رقم 77

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية