هذه الآيات الأربع آخر ما نزل في المنافقين، وتأثير نزول القرآن فيهم وفي المؤمنين، ومن أقام الدليل على اليأس من إيمانهم، وإخبار الله بموتهم على كفرهم.
أَولاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ الاستفهام لتقرير مضمون الحكم عليهم، والحجة عليه، وهو داخل على فعل محذوف للعلم به من المقام، والمعنى أيجهلون هذا ويغفلون عن حالهم فيما يعرض لهم عاما بعد عام من تكرار الفتون والاختبار، الذي يظهر به استعداد الأنفس للإيمان أو الكفر، والتمييز بين الحق والباطل، كالآيات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من نصر الله له ولمن اتبعه، وخذلان أعدائه من الكفار والمنافقين ووقوع ما أنذرهم، ومن إنباء الله رسوله بما في قلوبهم، وفضيحتهم بما يسرون من أعمالهم، كما فصل في هذه السورة وذكر بعضه في غيرها. وقرأ حمزة ويعقوب ( أو لا ترون ) على أن الخطاب للمؤمنين الذين قد يروعهم الخبر المؤكد وقوعه بموتهم على كفرهم، كأنه يقول : أتعجبون من الحكم عليهم بهذه العاقبة السوءى، ولا ترون الدلائل الدالة عليها من فتنتهم وابتلائهم المرة بعد المرة، سنة بعد سنة، بما من شأنه أن يذهب بشكهم ويشفي مرض قلوبهم، من آيات الله فيهم وفي غيرهم.
ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ ولاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ أي ثم تمرّ الأعوام على ذلك ولا يتوبون من نفاقهم، ولا يتعظون بما حلّ بهم مما أنذرهم الله تعالى به، وهل بعد هذا من برهان على انطفاء نور الفطرة والاستعداد للإيمان أقوى من هذا ؟ إن كان وراءه برهان أقوى منه فهو أنهم يفرون من العلاج الذي من شأنه أن يشفيهم من مرض قلوبهم، وهو ما أكد به ما قبله بقوله : وإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
تفسير المنار
رشيد رضا