ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓ

ويقول سبحانه بعد ذلك :
أو لا يرون أنهم يفنتون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون( ١٢٦ ) .
وقوله الحق : أولا يرون أي : يستشهد المنافقون تاريخهم مع الإسلام، ويعلمون أنهم يفتنون في كل عام مرة بالمصائب ومرة بالفضيحة، فنجد رسول الله حين يراهم يخرج بعضهم من بين الصفوف ويقول لهم :" اخرج يا فلان فإنك منافق " (١). ثم بعد شهور يتكرر الموقف، وهنا يذكرهم الحق سبحانه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفيهم كل عام مرة أو مرتين.
الأصل في الفتنة أنها امتحان واختبار، وهي ليست مذمومة في ذاتها لكنها تذم بالنتيجة التي تأتي منها، فالامتحان –أي امتحان- غير مذموم، لكن المذموم هو أن يرسب الإنسان في الامتحان. إذن : الابتلاء أو الفتنة(٢) في ذاتها ليست مذمومة، إنما المذموم أن تأتي النتيجة على غير ما تشتهي، وهم يفتنون حين يرون انتصار المسلمين رغم نفاقهم وكيدهم للمسلمين، وكان يجب أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا عرقلة سير الإسلام ؛ لأنه منتصر بالله. وكان يجب أن يعتبروا ويتوبوا لينالوا خير الإسلام، فخيره ممدود رغم أنوفهم، والخسارة لن تكون على الإسلام، وإنما الخسارة على من يكفر به.
ونحن نعلم أن الإسلام بدأ بين الضعفاء إلى أن سار الأقوياء إليه، وتلك سنة الله في الكون، بل إننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الرسالة كان مطلوبا منه أن يؤمن بأنه رسول. وكما تقول أنت : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أن يقول : أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدا رسول الله. وسبحانه جل شأنه، الخالق الأكرم، آمن بنفسه أولا، بدليل قوله سبحانه :
شهد الله أنه لا إله إلا هو... ( ١٨ ) ( آل عمران ).
فأول شاهد الألوهية الحق هو الله، وقد شهد لنفسه، ومعنى ذكر شهادته لنفسه لنا أن نؤمن بأنه سبحانه يزاول قيوميته طلاقة قدرته بكلمة " كن " وهو عالم أن مخلوقاته تستجيب قطعا، وكان لا بد أن يعلمنا أنه آمن أولا بأنه الأول، وأنه الإله الحق، بحيث إذا أمر أي كائن أمرا تسخيرا فلا بد أن يحدث هذا الأمر وسبحانه لا يتهيب أن يأمر ؛ لذلك قال لنا : شهد الله أنه لا إله إلا هو شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد وشهد أولوا العلم شهادة الاستدلال، وحين يشهد محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله فهو يؤمن بأنه رسول، ولو لم يؤمن برسالته لتهيب أن يبلغنا بالرسالة، وبعد أن آمن صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله جاءه التكليف من الحق : وأنذر عشيرتك الأقربين ( ٢١٤ ) ( الشعراء )
وظل رسول الله ر صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ويبلغ آيات الحق إلى أن جاءت آيات الدفاع عن دين الله، وقال الحق : وقاتلوا الذين يلونكم... ( ١٢٣ ) ( التوبة ).
إذن : في البداية كان لا بد أن يؤمن أنه رسول، وأن يبلغ الدعوة إلى قريش وسائر الجزيرة، وتعبر دعوته بعد ذلك من الجزيرة إلى الشام، وتتعدى الرسالة الشام بالإعلام وإن لم تتعد بالفعل ؛ حتى يأتي أتباعه من الصحابة وينساحوا بالإسلام في كل بقاع الأرض، ولذلك كانت الرمزية في إرسال الكتب : كتاب لفلان وكتاب لفلان(٣)، ليلفهم العالم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والإسلام دعوة متعدية ؛ لأنها خالفت دعوات الرسل عليهم السلام، وفقد كان كل رسول يعلم أن حدود دعوته هي أمته(٤).
أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت لرسالته مراحل : آمن بذاته أولا، ثم دعا الأقربين، ثم من بعد ذلك قريش، ثم أبلغ العرب، ثم الشام، وتعدت الدعوة بالكتب إلى جميع الملوك في العالم، وصارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمنة على حمل الدعوة ونشرها في أي مكان ومعها حجتها وهي القرآن.
وشاء الله أن يختم رسول الله الرسالات، وأرسله بالإسلام الذي يغلب الحضارات، رغم أنه صلى الله عليه وسلم من أمة أمية لا تعرف شيئا(٥) ؛ حتى لا يقال عن الإسلام أنه مجرد وثبة حضارية، وجاء لهم منهج غلب الحضارات المعاصرة له : فارس والروم في وقت واحد.
إذن : فالمسالة كانت مسألة قبلية، يحكمهم واحد منهم هكذا، دون تمرس بالنظم الاجتماعية، ولم يعرفوا شيئا قبل الإسلام، بل هم أمة متبدية(٦) لا شأن لها بالنظم السياسية والاقتصادية، وطن واحد منهم جمله وخيمته وبضعة أدوات تعينه على الحياة، وتستقر كل جماعة في أي مكان يظهر به العشب ويوجد به الماء، وبعد أن تأكل الأغنام والأنعام العشب، ينتقل العربي مع جماعته إلى مكان آخر، بعد أن ينظر الواحد منهم إلى السماء ؛ ليعرف مسار الغمام وأين ستمطر السحب، ثم ينساح هؤلاء بالدعوة بعد ذلك، فلو كان لهم انتماء إلى وطن أو بيت أو مكان لصار الرحيل صعبا عليهم، ولكنهم كانوا متمرسين بالسياحة في الأرض.
والآية التي نحن بصددها تكشف ضعف إيمان البعض، ونفاق البعض، فيقول الحق : أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون أي : كان لا بد أن يتوبوا أو يتعظوا ويعلموا أن وقوفهم ضد الإسلام لم ولن يحجب الإسلام وأنهم سينسحقون ويضيعون، فلماذا لا يتذكر كل منهم نفسه، ويرى مصلحته في الإيمان.

١ عن أبي مسعود الأنصاري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:"إن فيكم منافين، فمن سميت فليقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان. حتى سمى ستة وثلاثين رجلا..." أخرجه أحمد في مسنده (٥/٢٧٣) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/٢٨٦) قال الهيثمي في المجمع (١/١١٢): "فيه عياض بن عياض عن أبيه ولم أر من ترجمهما"..
٢ لكلمة الفتنة معان كثيرة في اللغة، تدور كلها حول الإختبار والإيقاع في الامتحان بعد امتحان ليميز الطيب منة الخبيث، وأصلها مأخوذ من فتنة الفضة والذهب أي: إذا أذبتهما بالنار لتعرف الرديء من الجيد، مصداقا لقوله تعالى:ونبلوكم بالشر والخير فتنة (٣٥) (الأنبياء)..
٣ بعث رسول الله كتبا إلى ملوك الأرض من حول الحجاز كقيصر الروم وكسرى فارس ومقوقس مصر وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام مع جماعة من أصحابه، ووجه كلا منهم إلى جهة، وقال لهم:"إن الله بعثني رحمة وكافة، فأدوا عني يرحمكم الله" أورده ابن هشام في السيرة النبوية (٤/٦٠٧) عن ابن إسحاق..
٤ وهذا مما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي. كان نبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولن تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة" متفق عليهن أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٥) ومسلم (٥٢١)..
٥ قال رب العزة في هذا:هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (٢) (الجمعة).
٦ تبدى الرجل: أقام بالبادية. وقيل للبادية بادية لظهورها وبروزها. انظر اللسان (ب د و).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير