ﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚ ﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

فضل الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
الإعراب:
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ... في الكلام حذف مضاف إما من أول الكلام تقديره: أجعلتم أصحاب سقاية الحاج وأصحاب عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله. وإما من آخر الكلام تقديره:
أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله. وإنما وجب تقدير الحذف ليصح المعنى.
خالِدِينَ فِيها حال لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ نَعِيمٌ مُقِيمٌ: مبتدأ وصفة، ولَهُمْ: خبر المبتدأ، والجملة صفة لجنات. وضمير فِيها يعود إلى الجنات أو الرحمة أو البشرى. وكذلك ضمير فِيها الثانية حال...
البلاغة:
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ استفهام إنكاري لمن يسوي بين هذا أو ذاك.
وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ في الجملة حصر، أي هم الفائزون لا غيرهم.
بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ تنكير الكلمتين للتفخيم والتعظيم، أي برحمة ورضوان لا يوصفان.

صفحة رقم 142

المفردات اللغوية:
سِقايَةَ الْحاجِّ سقي الحجيج الماء، والسقاية في اللغة: موضع السقي أو إناء السقي.
وكانت قريش تسقي الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يتولى هذا العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام. وفي الآية حذف مضاف: أي أجعلتم أهل ذلك. لا يستوون عند الله في الفضل. الظَّالِمِينَ الكافرين. دَرَجَةً رتبة. الْفائِزُونَ الظافرون بالخير. نَعِيمٌ مُقِيمٌ دائم. خالِدِينَ فِيها أَبَداً ماكثين فيها على الدوام، أكد الخلود بالتأييد لأنه قد يستعمل للمكث الطويل. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو نعم الدنيا.
سبب النزول:
أخرج مسلم وابن حبان وأبو داود عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة، دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستفتيته فيما اختصمتم، فأنزل الله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ- إلى قوله- وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وأخرج الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة، فقال للعباس: أي عم؟ ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أعمر المسجد، وأحجب البيت، فأنزل الله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الآية.
والحجابة: هي سدانة البيت وخدمته.
والسقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرهما الإسلام، جاء
في الحديث الوارد في خطبة حجة الوداع عن جابر: «إن مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت»
ومآثر العرب: مكارمها ومفاخرها التي تؤثر عنها، أي تروى وتذكر.

صفحة رقم 143

وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي نحوه. وأخرج ابن جرير الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها،
فقال علي: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ الآية كلها.
والخلاصة: أن الأصح في سبب النزول ما ذكره النعمان بن بشير، والروايات الأخرى عن الحسن والشعبي والقرظي وابن سيرين تفصيل لمجمل رواية النعمان.
المناسبة:
هذه الآية مرتبطة بما قبلها، ومكملة لها، فالآية السابقة أوضحت أن عمارة المسجد الحرام مقبولة إذا كانت صادرة عن إيمان، فهي للمسلمين دون المشركين، وهذه الآية أبانت أن الإيمان والجهاد أفضل مما كان يفخر به المشركون من عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج.
التفسير والبيان:
هذه الآية خطاب للمؤمنين بحسب حديث النعمان بن بشير، وقيل: هي خطاب للمشركين بدليل السياق، والأصح أنها تضمنت المفاضلة التي جرت بين المسلمين والكافرين، لقوله تعالى: كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فإن العباس- كما تقدم- احتج على فضائل نفسه بأنه عمر المسجد الحرام وسقى الحاج.
والمعنى: أجعلتم أهل السقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله سواء في الفضيلة والدرجة؟ فإن السقاية والعمارة، وإن كانتا من أعمال الخير، فأصحابهما لا يساوون في المنزلة أهل الإيمان والجهاد.
وهذا معنى قوله: لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ أي لا تساوي أبدا بين الفريقين

صفحة رقم 144

لا في الصفة ولا في العمل، في حكم الله وفي إثابته، في الدنيا والآخرة.
ثم بين عدم تساويهم بقوله: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يهدي القوم الكافرين في أعمالهم إلى ما هو الأفضل والأرقى رتبة إذ قد طمس على قلوبهم.
والمعنى: إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة، وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلما، بعد ظلمهم بالكفر.
فالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس أفضل وأعظم درجة عند الله من أعمال السقاية والسدانة أو العمارة.
ثم بين الله تعالى مراتب التفاضل بين المؤمنين أنفسهم، فقال: الَّذِينَ آمَنُوا.. أي أن المؤمنين بالله ورسوله، المهاجرين من مكة إلى المدينة، المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ولإعلاء كلمة الله، هم أعظم درجة وأرفع مقاما ومكانة من القائمين بأعمال أخرى كالسقاية والعمارة.
وأولئك المؤمنون المهاجرون المجاهدون هم الفائزون بفضل الله وكرامته ومثوبته.
وهذا الفوز هو أنه تعالى يبشرهم في كتابه المنزل على رسوله برحمة واسعة، ورضوان كامل، وجنات لهم فيها نعيم دائم، وهم في هذا النعيم خالدون على الدوام إلى ما شاء الله تعالى.
وإن الله عنده الثواب العظيم على الإيمان والعمل الصالح ومنه الهجرة، والجهاد في سبيله ومن أجل مرضاته، كما قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة ٩/ ٧٢].

صفحة رقم 145

والرضوان: نهاية الإحسان، وهو شيء روحي، والنعيم في الجنة شيء مادي، فهو لين العيش ورغده.
وروى الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن الجهاد مع الإيمان أفضل عند الله من أي عمل آخر من أعمال الخير والبر لأنه بذل للنفس أو المال، بقصد إعلاء كلمة الله. وأما السقاية وعمارة المسجد الحرام فهما وإن كانا عملين طيبين، إلا أنهما ليسا في الدرجة مثل الجهاد.
روى عبد الرزاق عن الحسن البصري قال: نزلت آية أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ... في علي وعباس وعثمان وشيبة، تكلموا في ذلك، فقال العباس:
ما أراني إلا أني تارك سقايتنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقيموا على سقايتكم، فإن لكم فيها خيرا».
والآية إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة وأن يسوى بينهم، وجعل تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر.
ومراتب فضل المجاهدين كثيرة، فهم أعظم درجة عند الله من كل ذي درجة، فلهم المزية والمرتبة العلية، وهم الفائزون الظافرون الناجون، وهم الذين يبشرهم ربهم، أي يعلمهم في الدنيا ما لهم في الآخرة من الثواب الجزيل

صفحة رقم 146

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية