فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
«١» إنما يعمر مساجد الله وخصوصا المسجد الحرام بالرعاية والعناية والولاية والخدمة والعبادة إنما يعمره من آمن بالله إيمانا كاملا صادقا وآمن باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، وكان عمله الظاهر موافقا لعقيدته فيقيم الصلاة ويؤديها كاملة الأركان والشروط ويؤدى الزكاة لأربابها وأكثرهم يقيمون بالمساجد، على أن في مال الزكاة متسعا لتعمير المساجد تعميرا حسيا، والذين يخشون الله وحده هم أولى الناس بذلك.
المعنى:
قصر تعمير المساجد على المؤمنين بالله إيمانا كاملا شاملا والمقيمين الصلاة إقامة كاملة مع إيتاء الزكاة، والخشية من الله وحده دون غيره مما لا ينفع ولا يضر، والمراد:
الخشية الدينية الغريزية كالخوف من الحيوان المؤذى مثلا.
ونحن نرى الآن أنه لا يعمر بيوت الله إلا هؤلاء فقط.
فأولئك الموصوفون بهذه الصفات الجليلة هم المهتدون إلى الخير دائما، المستحقون على أعمالهم عظيم الأجر، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وفي تصدير جزائهم بكلمة (عسى) إشارة إلى قطع أطماع الكفار، أى: إذا كان هؤلاء العاملون المقربون جزاؤهم بين (لعل وعسى) فما بال الكفار!! والخير للمؤمن أن يكون بين الرجاء الذي يحمله على العمل وبين الخوف الذي يبعده عن التقصير ويغلب الخوف على الرجاء في حال الصحة والعكس في حال المرض الشديد، وهذه الصفات الجامعة لشعب الإيمان والإسلام تقتضي حتما الإيمان بالرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنها لا تعمل على الوجه الكامل إلا بهديه وإرشاده صلّى الله عليه وسلّم.
فضل الإيمان والجهاد [سورة التوبة (٩) : الآيات ١٩ الى ٢٢]
أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)
المفردات:
سِقايَةَ في اللغة: هي الموضع الذي يسقى فيه الحاج، أو الإناء الذي يسقى به والمراد: ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يلي هذا ويشرف عليه العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام...
روى عن النعمان بن يشير ما معناه قال: كنت عند منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال رجل: ما أبالى ألا أعمل لله عملا بعد الإسلام إلا أن أسقى الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر ودخل يستفتى رسول الله فقرأ عليه هذه الآية «١»
، وبهذا الحديث يعلم أن الخطاب في الآية للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب فيها للمشركين وهي تكملة للآيتين السابقتين في بيان كون الحق في عمارة المسجد الحرام للمسلمين على كل حال، وبيان أن الجهاد في سبيل الله مع الإيمان أعظم درجة عند الله.
المعنى:
أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيله في الفضيلة والدرجة؟ وهذا استفهام إنكارى لمن يدعى تشبيه هذا بذاك.
وهل هذا خطاب للمشركين حسب السياق؟ أم هو خطاب للمؤمنين حسب حديث النعمان بشير- رضى الله عنه- إذا كان هذا حال السقاية والعمارة مع المؤمنين فما بال الكفار الذي يفتخرون بهما؟!! نعم لا يستوون عند الله أبدا، وإن كان في كل خير، إلا أن الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله مع بذل النفس والنفيس أعلى درجة وأعظم مكانة عند الله والله لا يهدى القوم الظالمين إلى معرفة جهة الفضل، وموضع الخير، إذ قد طمس الله على قلوبهم.
الذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله ولإعلاء كلمته باذلين النفس والمال هم أعظم درجة، وأعلى مكانة ممن لم يتصف بهذه الصفات كائنا من كان، وإن حاز جميع ما عداها من الكمالات التي من جملتها السقاية والعمارة.
فإن فهمت الآية على أن الخطاب للمؤمنين المتفاخرين حسب حديث النعمان بن بشير قلنا: إنه لا مراء أن في السقاية والعمارة خيرا وإن كان الإيمان والجهاد أعظم درجة عند الله.
وإن فهمت الآية على أن الخطاب للمشركين والتفاخر من الكفار كان المعنى: نعم للسقاية والعمارة درجة عند الله إذا فعلا كما يرضى الله ورسوله، ولكن الشرك يحبط عملهما كما سبق.
وأولئك المؤمنون المهاجرون والمجاهدون هم الفائزون بمثوبة الله وفضله وكرامته.
وما هذا الفوز؟ أجاب الله بقوله: يبشرهم ربهم في كتابه المنزل على نبيه برحمة واسعة، ورضوان من الله أكبر من كل شيء، وجنات لهم فيها نعيم مقيم دائم، وهم خالدون فيها وماكثون إلى ما شاء الله عطاء غير مجذوذ، أى: غير مقطوع.
إن الله عنده أجر عظيم فلا غرابة في هذا: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [سورة التوبة آية ٧٢].
وقد ورد عن أبى سعيد الخدري- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي