الإبعاد (١)، وذكر ابن الأنباري وغيره من أهل الحقائق في قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ وجها آخر سوى ما ذكرنا، وهو أنه قال: لم يأت النبي -صلى الله عليه وسلم- مأثمًا ولم يخاطب بالذي خوطب به لجرم أجرمه، لكن الله تعالى وقره (٢) ورفع من شأنه بافتتاح الكلام بالدعاء له (٣) كما يقول الرجل لمخاطبه إذا كان كريمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك، ألا زرتني؟ وعافاك الله، ألا عرفت حقي؟ فلا يقصد فيما يفتتح به من الدعاء إلا قصد التبجيل لمخاطبه والرفع لمحله (٤).
٤٤ - وقوله تعالى: لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية.
قال ابن عباس: هذا تعيير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد (٥)، [وقال الزجاج:] (٦) أعلم الله نبيه أن علامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان (٧).
(٢) في (ي): (وفقه)، وهو خطأ. وما أثبته موافق لـ"زاد المسير".
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ذكر أكثره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٣/ ٤٤٥ عن ابن الأنباري، واعتبره النحاس قولاً مرجوحًا في الآية. انظر: "إعراب القرآن" له ٢/ ٢١٧، وحكاه القرطبي في "تفسيره" ٨/ ١٥٤، عن مكي والمهدوي، وضعفه الشوكاني في "فتح القدير" ٢/ ٥٣٢، وقبله الكرماني في "غرائب القرآن" ١/ ٤٥٥.
(٥) رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠٦، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٤٣٩.
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).
(٧) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٥٠، وبقية النص: في التخلف عن الجهاد.
وقوله تعالى: أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، قال: موضع (أن) نصب، المعنى: لا يستأذنك هؤلاء في أن يجاهدوا (١)، ولكن (في) حذفت فأفضى الفعل فنصب (أن) (٢). قال سيبويه: ويجوز أن يكون موضعه (٣) جرًا لأن حذفها هاهنا جاز من ظهور (أن) فلو أظهرت المصدر لم تحذف (في)، لا يجوز: لا يستأذنك القوم الجهاد (٤) [حتى تقول: في الجهاد، ويجوز: لا يستأذنك القوم أن يجاهدوا] (٥) (٦).
وأقول: إن أسباب النزول وسياق الآيات لا سيما قوله تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ يدل على ضعف هذا القول، فما كان الله ليعاتب نبيه على إذنه لهم بالجهاد، بل على إذنه بالتخلف عن الجهاد، وهذا يدل على أنهم استأذنوه القعود لا في الجهاد.
(٢) القول للزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ٤٥٠.
(٣) في "معاني القرآن وإعرابه": موضعها.
(٤) في (ج): (أن يجاهدوا)، والصواب ما أثبته وهو موافق لـ"معاني القرآن وإعرابه".
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٦) انظر قول سيبويه في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج ٢/ ٤٥٠ ولم أجده في مظانه في كتاب سيبويه، كما أن الأستاذين د/ محمد عبد الخالق عضيمة، وعبد السلام هارون لم يذكرا هذه الآية في فهرسيهما لكتاب سيبويه، وقد ذكر سيبويه النصب على نزع الخافض في عدة مواضع في كتابه منها: ١/ ٣٨، ١٥٩، ٣/ ١٢٧، ١٣٥، ١٣٧ ومن أقواله في كتابه ٣/ ١٥٤: واعلم أن اللام ونحوها من حروف =
قال أصحاب الحقائق (١): ليست هذه الآية على ظاهرها؛ لأن ترك الاستئذان عن (٢) الإمام في الجهاد مذموم، وهؤلاء محمودون في هذه الآية بترك الاستئذان (٣)، وهاهنا إضمار وهو أحد شيئين: أحدهما: أن يكون التقدير: لا يستأذنك هؤلاء أن يجاهدوا فحذف (لا)، والثاني: لا يستأذنك هؤلاء كراهية أن يجاهدوا (٤)، وقد ذكرنا نحو هذا في قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] وفي غيره من المواضع، والذي دل على هذا المحذوف ذم المنافقين وسياق القصة، وهو قوله: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ إنما كان ذلك إذنًا في القعود عن الجهاد لا في الجهاد، ويدل عليه أيضًا ما بعده من قوله تعالى: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي في القعود عن الجهاد.
وقال صاحب النظم: ظاهر نظم (٥) هذه الآية والتي بعدها يوهم أن الاستئذان في الجهاد مذموم، وهذا غير سائغ في المعنى؛ لأن الذم إنما وقع على من يستأذن في القعود عن الجهاد، فالتأويل: لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر في القعود عن الجهاد، فجاء هذا النظم على سبق
(١) أهل الحقائق عند المؤلف هنا هم أهل المعاني كابن الأنباري كما بين ذلك من قبل.
(٢) هكذا في جميع النسخ، والصواب: (من)، عبارة المؤلف في "الوسيط" ٣/ ٥٠١:.. وإلا فالاستئذان من الإمام في القعود عن الجهاد غير مذموم.
(٣) في (ي): (الإيذان).
(٤) ذكر بعض هذا القول النحاس في "إعراب القرآن" ٢/ ٢١، والرازي في "تفسيره" ١٦/ ٧٦.
(٥) ساقط من (ي).
العلم من الجميع إلى أنه (١) لا يقع الذم في مثل هذا إلا على من يستأذن (٢) في ترك الجهاد والقعود عنه، ومثله قوله: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: ١٢٧] فهذا أيضًا ظاهره أنهم يرغبون في نكاحهن والمعنى على خلافه؛ لأن هذا ورد في عضل الولي (٣) عن التزويج وامتناعه من أن يتزوجها، والعرب تقول: رغبت أن أفعل كذا بمعنى: عن أن أفعله، ورغبت أن أفعله [بمعنى في أن أفعله] (٤) ولا يعرف ذلك إلا بالاعتبار بمكانه (٥) الذي وقع به، والقصة التي حدث فيها، من ذلك قول الخنساء:
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره.... أهل الموارد ما في ورده عار (٦)
ظاهر قولها: ما (٧) في ورده عار، أن معناه [: ما على من ورده عار] (٨) ومعناه في الباطن: ما في ترك ورده مخافة عار؛ لأنها عنت: ماء ورده في موضع مخوف يتناذره الناس ويتحامونه، تقول: فهو يرد هذا الماء لشجاعته وجرأته، وإن ترك ورده تارك لم يكن عليه عار لهول ما فيه.
(٢) في (ي): (يستأذنك).
(٣) في "الصحاح" (عضل) ٥/ ١٧٦٧: عضل الرجل أيمه: إذا منعها من التزويج.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٥) في (ج): (لمكانه)، وهو خطأ.
(٦) انظر: "ديوان الخنساء" ص ٤٨، ومعنى تناذره: أنذر بعضهم بعضًا، والموارد: جمع مورد، وهو المنهل والماء الذي يورد للسقيا. وهي تعني الموت، أي لإقدامه وشجاعته.
انظر: "الكامل" ٤/ ٤٨، و"أنيس الجلساء في شرح ديوان الخنساء" ص٧٥.
(٧) لفظ: (ما) ساقط من (ج).
(٨) نص ما بين المعقوفتين في (ي) هكذا: (على ما ورده عار)، وهو خطأ ظاهر.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي