نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧١:وأما المؤمنون فهذه أوصافهم الخاصة ومميزاتهم التي يمتازون بها يعرضها علينا كتاب الله إذ يقول : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم، وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم فمن وجد نفسه متصفا بهذه الأوصاف فليحمد الله، ولينتظر رضوان الله، ومن وجد نفسه على غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وليحاسبها اليوم قبل أن يحاسب غدا، وإلا فلينتظر غضب الله.
فالمؤمنون والمؤمنات يجب أن يكونوا إخوة في الله، متحالفين على الخير، متعاونين على البر، كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إذا اجتمعوا تواصوا بالحق والصبر، وإذا افترقوا قام كل واحد منهم بشد الأزر وجبر الكسر، وذلك معنى قوله تعالى هنا : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض .
والمؤمنون والمؤمنات يجب- إذا أمروا – أن يأمروا بالمعروف، وتندرج تحت كلمة " المعروف " كل الطيبات والصالحات وجميع أنواع الخير والبر، ويجب – إذا نهوا – أن ينهوا عن المنكر، وتندرج تحت كلمة المنكر كل الخبائث والسيئات، وجميع أنواع الشر والظلم، وذلك معنى قوله تعالى : يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .
والمؤمنون والمؤمنات لا يصح إيمانهم أولا، ولا ينمو ويرسخ ثانيا، إلا إذا مارسوا عقيدة الإيمان في صميم حياتهم اليومية، فأدوا ما عليهم من حقوق الله، بشكره وعبادته، وربط الصلة به على الدوام، عن طريق الصلاة المفروضة، وإلا إذا أدوا ما عليهم من حقوق إخوانهم وهم " عيال الله "، بتمكينهم من وسائل العيش الضروري، وأسباب الكسب الشريف، عن طريق الزكاة المفروضة، و( أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله ) كما قال عليه الصلاة والسلام، ففي الصلاة يتجلى إيمان المؤمن تجاه خالقه، وفي الزكاة يتجلى إيمان المؤمن تجاه أخيه، كما يتجلى فيها شكره لرازقه، وذلك معنى قوله تعالى : ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة .
والمؤمنون والمؤمنات لا يكونون من أهل الإيمان الصادق إلا إذا أسلموا وجوههم لله، وطبقوا في حياتهم اليومية المنهج السماوي الذي رسمه لهم الله، فالله تعالى أعلم منهم بما يصلحهم، والله تعالى أعلم منهم بما يلائمهم، والله تعالى أحكم منهم بما اختاره لهم عن علم شامل ومحيط، من نهج للعمل والسلوك، وطريق للنجاح المحقق في الحياة، دنيا وأخرى، وهذا هو المعنى المقصود من طاعة الله ورسوله لأنها طاعة أحكم الحاكمين، ورب العالمين، كما قال تعالى هنا في وصف المؤمنين والمؤمنات : ويطيعون الله ورسوله . وواضح أن من التزم طاعة الله ورسوله تحرر من طاعة كل من خالفهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
ومن كان متحليا بهذه الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات، كان حقا على الله أن يشمله برحمته، وأن يرعاه بعين رعايته، فقد تعهد لهم سبحانه ذلك تفضلا منه وكرما، عندما قال مشيرا ومبشرا للمؤمنين والمؤمنات : أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم عزيز يعز المؤمنين ويذل المنافقين ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون ، حكيم يختار للمؤمنين بواسع علمه، وبالغ حكمته، أهدى طريق، ويمدهم عند سلوكه بمدد الهداية والتوفيق.
وقوله تعالى هنا : ورضوان من الله أكبر معناه أن رضا الله على المؤمنين والمؤمنات يوم لقائه وتلقي ندائه، أكبر وأجل وأعظم وأفضل، من كل نعيم أنعم به عليهم دونه. روى الإمام مالك من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون لبيك وسعديك، والخير في يديك. فيقول الحق سبحانه وتعالى : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى يا رب، فقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول الحق تعالى : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) ذلك الفوز العظيم .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري