ونحن نعرف أن رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول، كان سيتوج ملكا على المدينة١. وأثناء الإعداد لمهرجان التتويج، فوجئوا بوصول رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا من المدينة. وكان هذا من أسباب حقد عبد الله بن أبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ضاع منهم الملك. وكان لعبد الله بن أبي ولد أسلم وحسن إسلامه اسمه عبد الله بن أبي. وكان من حسن إسلام هذا الابن أن ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أعلم أنه صلى الله عليه وسلم سيأمر بقتل أبيه، لأنه قال في غزوة من الغزوات٢ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل... ( ٨ ) ( المنافقون ).
وكان ابن أبي يعني ب " الأعز " المنافقين في المدينة، وب " الأذل " المسلمين من المهاجرين والأنصار. ورد الله سبحانه وتعالى بأن صدق على قوله أن الأعز سيخرج الأذل، فقال الحق سبحانه وتعالى : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين... ( ٨ ) ( المنافقون )فكأن الحق سبحانه وتعالى قد أقر على أن الأعز هو الذي سيخرج الأذل من المدينة، ولكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، إذن : فسيخرج المنافقون من المدينة، وسيبقى فيها المؤمنون، وتكون لهم العزة.
ولما علم عبد الله بن عبد الله بن أبي أم رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأمر بقتل والده عبد الله بن أبي، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال : يا رسول الله إن كنت ولا بد آمرا بقتل أبي فأمرني أنا بقتله، لأني أخاف أن يقتله أخ مؤمن فأكرهه، وأنا لا أحب أن أكره مؤمنا٣.
وهكذا نرى قوة وصدق الإيمان، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرم ذلك المنافق من أجل ابنه فلم يأمر بقتله، ومن بعد ذلك٤ قال الابن : يا رسول الله استغفر لأبي، أي : اطلب له من الله المغفرة، ولأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنه قد أرسل رحمة للعالمين، لذلك طلب المغفرة لعبد الله بن أبي، وحينئذ نزلت الآية الكريمة :
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم بذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٨٠ ) .
ووقف العلماء في هذه الآية عند شيء اسمه مفهوم المخالفة، لأن الحق سبحانه وتعالى حدد مرات الاستغفار غير المقبول بسبعين مرة، قد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين، أنه ما دامت مرات الاستغفار قد حددت بسبعين مرة فلأزيد على السبعين قليلا٥ وبذلك غلب الرسول الكريم جانب الرحمة، وجانب الإكرام لعبد الله بن عبد الله بن أبى الذي أسلم وحسن إسلامه.
وكانت السبعة دائما هي نهاية العدد عند العرب، وعندما يأتي عدد آخر يكون زائدا، فالأصل في العدد هو مكررات الواحد، أي : أن الواحد أصل العدد، يضاف له واحد يكون اثنين، ويضاف لهما واحد فيكون المجموع ثلاثة، وتستمر الإضافة حتى يصير العدد سبعة، وإذا تركنا الواحد جانبا لأنه الأصل، نجد عندنا ثلاثة أعداد زوجية، هي : اثنان وأربعة وستة، وثلاثة أعداد فردية هي : ثلاثة وخمسة وسبعة، ويكون العدد سبعة جامدا للمفرد والمثنى والجمع.
ولذلك كانوا إذا أرادوا الزيادة على سبعة أن يأتوا بحرف العطف. ونجد قول الحق سبحان وتعالى في سورة الكهف :
سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم... ( ٢٢ ) ( الكهف ).
ولم يقل : ثامنهم كلبهم، بل جاء بواو العطف، لأن الثمانية كانت من نوع آخر٦ وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم " السبعين "، قال : نزيد على السبعين، وبذلك يكون قد احترم قول الله، واحترم تكريمه لعبد الله بن عبد الله بن أبىّ، الذي طلب منه أن يستغفر لأبيه. وهنا قالوا : كيف يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقول عن نفسه :" أنا أفصح العرب بيد أني من قريش٧، أن عدد السبعين يقصد به الكثرة مهما بلغت، والشاعر القديم يقول :
أسيئى بنا أو أحسني لا ملومة، أي : افعلي ما تشائين.
فكأن سبحانه وتعالى في قوله : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مر ة شاء أن تأتي بمضاعفات العدد النهائية وهي السبعون ليحسم الأمر.
وجاء قول الحق سبحانه : سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم... ( ٦ ) ( المنافقون )
أي : مهما استغفرت بأي عدد من الأعداد فلن يغفر لهم.
ونقول : إن الأمر هنا شقان، الشق الأول : أن يغفر الله. والشق الثاني : هو مجاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبىّ، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله لن يغفر للمنافقين واستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مجرد مجاملة لاحترام طلب الابن، وأيضا فالاستغفار من رسول الله كان مجرد مجاملة لعلمه أن الله لن يغفر للمنافقين، لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن استغفاره من أجل منافق لن يقبله الله، وهناك استغفار تنشأ عنه المغفرة، واستغفار ينشأ عنه إرضاء عبد الله بن عبد الله بن أبّ. ولكن ألا نوجد ذاتية للأب ؟.
نقول : إن التاريخ يقول إن عبد الله بن أبّى نال حظه من الدنيا، والحق سبحانه يقول : إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا( ٣٠ ) ( الكهف ).
وجزاء العمل يعطي للبعض في الدنيا، ويعطي للبعض في الآخرة، مصداقا لقوله تعالى : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها و ما له فيء الآخرة من نصيب( ٢٠ ) ( الشورى ).
ولقد حدثنا علماء السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن أبا لهب يخفّف عنه العذاب يوم الاثنين "، وأبو لهب نزل فيع قول الحق سبحانه وتعالى : تبت يدا أبي لهب وتب( ١ ) ما أغنى عنه ماله وما كسب( ٢ ) سيصلى نارا ذات لهب( ٣ ) ( المسد ).
ولماذا يخفّف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين ؟ لأن هذا اليوم هو الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سر أبو لهب بميلاد الرسول الكريم، فأعتق الجارية التي بشرته بميلاد الرسول، ومن هنا يخفّف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين جزاء عمله.
كما أن عبد الله بن أبىّ كان له موقف يحسب له في واقعة الحديبية حين ذهب المسلمون لأداء العمرة، وصدهم الكفار عن بيت الله الحرام، وانتهت بصلح الحديبية وهي أول معاهدة بين الإيمان والكفر، ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ردّوا عن بيت الله الحرام، فقد فطن أبو بكر لما في يوم الحديبية من عطاءات الله، من اعتراف كفار قريش بمحمد وبالمسلمين حين وقعوا معاهدة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرغ نبينا الكريم للدعوة في الجزيرة العربية، وهو من آمن من قريش، وتفرغ نبينا الكريم للدعوة في الجزيرة العربية، وهو آمن من قريش، وانتشر الإسلام إلى أن نقضت قريش العهد وتم فتح مكة.
نعود إلى قصة عبد الله بن أبىّ يوم الحديبية : لقد كان الكفار يعلمون أن في نفسه شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم منع تتويج عبد الله بن أبىّ ملكا على المدينة. وكانوا يعلمون أيضا أنه أسلم نفاقا، فأرادوا أن يحدثوا ثغرة في نفوس المسلمين، فقالوا : محمد وأصحابه لا يدخلون، ولكننا نسمح لعبد الله بن أبىّ ومن معه بدخول مكة وأداء العمرة فرفض عبد الله بن أبىّ وقال : إن لي في رسول الله أسوة حسنة، لا أريد أن نذهب للعمرة إلا إذا ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا موقف يحمد له.
كذلك كان له موقف آخر في غزوة بدر، حينما أسر العباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان العباسي طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة، فلم يجدوا طويلا مثله إلا عبد الله بن أبىّ، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس، فلم ينس رسول الله ذلك له.
ومن أجل هذا استغفر له رسول الله، ولكن الحكم الأعلى قد جاء استغفر لهو أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فليس المهم فقط وهو استغفار رسول الله، لأن هناك ممحصات للذنب، فمن أذنب عليه أن يأتيك أولا رسول الله، ليستغفر الله، ثم يسألك أن تستغفر له الله، حتى يجد الله توابا رحيما، فسبحانه القائل :
{ ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما( ٦٤ ) ( النساء ).
فالذي يريد أن يتوب ويستغفر، لا يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولا، فلا بد أن يستغفروا الله من الذنوب أولا ثم يستغفر لهم الرسول. ولا يستغفر لهم الرسول وهم لا يستغفرون، وهكذا نعلم أن عبد الله بن أبىّ لم يفطن إلى كيفية الاستغفار، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغرا ليستغفر الله أمامه، لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار.
ثم يأتي سبحانه وتعالى موضحا سبب عدم غفرانه، فيقول : ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين وحين ينفي الحق سبحانه وتعالى الهداية عن إنسان، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق : الله لم يهدني فماذا أفعل ؟ ويحمل المسألة كلها لله. بل نسأل الفاسق : لماذا لم يهدك ؟ لأنك فسقت.
إذن : فعدم الهداية من الله لك كان سبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج الله، ومن هنا فالهداية المقصودة في هذه الآية، ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير، لأن الدلالة إلى طريق الخير تأتي من الله للمؤمن والكافر، فمنهج الله الذي يبلغ للناس كافة، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه. ولكن المقصود هنا هو الهداية الأخرى التي يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحسن عمله. وتتمثل في قول الحق :
والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم( ١٧ ) ( محمد ).
إذن : فكل من مشى في طريق الإيمان أعانه الله عليه. وفي المقابل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : إن الله لا يهدي القوم الظالمين ( ١٠ ) ( الأحقاف )
وكذلك قوله سبحانه : والله لا يهدي القوم الكافرين( ٣٧ ) ( التوبة )
وأيضا قوله الكريم : والله لا يهدي القوم الفاسقين( ٥ ) ( الصف )
لا نقول أبدا : إن هؤلاء معذورون، لأن الله لم يهدهم، لأنه سبحانه قد هداهم ودلّهم جميعا على طريق الخير، ولكنهم هم الذين أخذوا طريق الكفر والظلم والفسوق.
واقرأ إن شئت قول الله عز وجل : وأما ثمود فهديناهم( ١٧ ) ( فصلت )
فماذا صنعوا في هدايتهم لهم : فاستحبوا العمى على الهدى أي : أن الحق سبحانه بيّن لثمود طريق الخير، ولكنهم اختاروا الضلالة.
إذن : فهداية الدلالة للجميع، وهداية المعونة للمؤمنين.
٢ هي غزوة بني المصطلق، وقد كانت في شهر شعبان سنة ٦ هجرية. انظر سيرة النبي لابن هشام (٣/٣٣٤).
٣ أورد ابن إسحاق أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل نتفرق به ونحسن صحبته ما بقي معنا" انظر تفسير ابن كثير (٤/٣٧٢)..
٤ وذلك عندما توفي عبد الله بن أبي، وأراد ابنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه، فاعترض عمر ابن الخطاب، فأعطاه قميصه ليكفنه فيه وصلى عليه. انظر الحديث الآتي بعد في البخاري (٤٦٧٠) ومسلم (٦٤٠٠) من حديث ابن عمر..
٥ قال صلى الله عليه وسلم:"إنما خيرني الله تعالى فقال:استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة وسأزيد على سبعين" أخرجه البخاري في صحيحه(٤٦٧٠) ومسلم في صحيحه (٢٣٠٠) من حديث ابن عمر..
٦ انظر تفسير القرطبي(٥/٤١١٣) في تفصيل هذه المسألة، بين من قال: إن نهاية العدد عند العرب هو العدد ٧. ومنهم من قال: إن هذا تحكم لا دليل عليه. ومنهم من سمى الواو بين السبعة والثمانية: واو الثمانية..
٧ قال السيوطي في "اللآليء المصنوعة":"معناه صحيح. ولكن لا أصل له، كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ، وأراده أصحاب الغريب، ولا يعرف له إسناد". انظر كشف الخفاء (١/: ١٣٢) والأسرار المرفوعة (ص٧٠، ٧١)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي