﴿ ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾
قولُه تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أو لاَ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية:
قال جماعةٌ من العلماء: هذا تخييرٌ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الاستغفار لهم وتركه، وهي منسوخةٌ بقوله: ولاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تقم على قَبْرِهِ [التوبة: ٨٤] وقيل: نسخه قولُه: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لم تستغفر لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦].
وعن ابن عباس أنه قال: لما نزل على النبي - عليه السلام - إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم قال النبي: لأزيدنَّ على السبعين فنسخ ذلك قولُه: سَوَاءٌ عَلَيهِم أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُم.
ورُوِيَ أَنَّ عبدَ الله بنَ أُبي بنَ سَلول المنافق لما مات جاء ولده فرغب إلى النبي في الصَّلاةِ عليه، وفي أن يُغْطِيَه قميصَه لِيُكَفِّنَه فيه، فأَعطاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قميصَه وأَتى للصَّلاة عليه، فلما ذهبَ لِيُصَلِّيَ عليه أخذ به عُمَرُ وقال قد نهاك الله (أن) تُصَلِّيَ على المنافقين، فقال: إنما (خَيَّرني) بين الاستغفارِ وتركِه، فَصَلَّى عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -فأنزلَ اللهُ: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً﴾ - الآية، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة عليهم.
وقد رُوِيَ أن النبي لم يُصَلِّ على المنافق المذكور.
وقال جماعةٌ - وهو الصَّوابُ إن شاء الله -: إنّ الآيةَ غيرُ منسوخةٍ، إنما نزلت بلفظ التهدُّدِ والوعيد (في أنهم) لا يغفرُ اللهُ لَهم، وإن استغفر لهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلم يُبِح الله تعالى لنبيّه عليه السلام الاستغفارَ لهم(بهذا اللفظ، بل أَيأَسَهُ مِن قَبول الاستغفار لهم فلا نَسْخَ) فيه لجواز الاستغفار لهم.
وقولُه: ﴿ولاَ تُصَلِّ عَلَى أحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ ناسخٌ لما رُوِيَ أن النبيَّ - عليه السلام - قامَ على قبر عبدِ الله بن أُبَيِّ بن سلول المنافق، وصلَّى عليه إذْ رَغِبَ إليه في ذلك (عبدُ الله ابنه)، وكان ابنُه من خيّار المؤمنين.
قال أبو محمد: وحقّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً، إلاَّ أن يقول قائلٌ: هو ناسخٌ لما فُهِمَ من قوله: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أحدٍ مِنْهُم، وذلك أنه فهم منه أنه صلَّى عليهم، فقيل له: لا تُصَلِّ(على أَحدٍ مِنهُم)، فَنُهِيَ عن أَن يعودَ إلى مثل فِعْلِه، فإن حُمِلَ على هذا حَسُن أن يُدْخَل في الناسخ والمنسوخ على أنه قرآن نسخَ مثلَه.
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
أحمد حسن فرحات