ﮕﮖﮗﮘﮙ

أخرج الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى : وللآخرة خير لك من الأولى ٤ يجوز أن يكون هذه الآية متصلا بما سبق ووجه اتصاله أن قوله تعالى : ما ودَّعك ربك وما قلى ٣ يتضمن أن الله مواصلك بالوحي إليك وإنك حبيب الله ولا يكون كرامته أعظم ذلك فأخبره بأن حاله في الدار الآخرة خير له وأعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء واختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبطه الأولون والآخرون وشهادة أمته على الأمم وقد ذكرنا بعد ما يختص به النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة من الفضائل في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : تلك الرسل فضَّلنا بعضهم على بعض ١ الآية، وروى البغوي بسنده من طريق ابن شيبة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ) أو المعنى وللآخرة أي الحالة الآخرة خير لك من الأولى ونهاية أمرك خير من بداية يعني لا تزال تتصاعد في الرفعة والكمال، قالت الصوفية من استوى يوماه فهو مغبون.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:روى البغوي من طريق الترمذي عن ابن عباس، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته قلت : يا رب إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما وآتيت فلانا كذا قال : يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك ؟ قلت : بلى أي رب قال : ألم أجدك ضالا فهديتك ؟ قلت : بلى أي رب قال : ألم أجدك عائلا فأغنيتك ؟ قلت : بلى أي رب )١ وزاد في بعض الروايات ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك بلى أي رب، زعم أكثر الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه هذه المسألة المال والغنى حيث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفلسا وكانت قريش تعير بذلك حتى قالوا إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم وظن أن قومه إنما كذبوه بفقره فسأل ربه هذه المسألة فعدد الله عليه نعمه ووعده الغنى ليسليه، وهذا ليس بشيء بوجوه : أحدهما أن رفعة شأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقتضي أن يسأل ربه الدنيا :
وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فأراها أيما شمم
وأكدت وهذه فيها ضرورته أن الضرورة لا تعدوا على العصم
وثانيها : أن قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى ٨ يأبى عنه فإن صيغة الماضي تدل على الحصول وسؤال الغنى بعد حصوله محال، وثالثها : أنه لو سأل ربه لأعطاه وقد صح أنه ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ كذا في الصحيحين من حديث عائشة.
وقالت الصوفية العلية في تحقيق مثل هذا المقام : إن الصوفي قد يعرضه حالة الانقطاع من الخلق بالكلية وخلوص التوجه إلى الله سبحانه ويسمونها العروج والسير إلى الله أو السير في الله وقد يعترضه حالة التوجه إلى الخلق لأجل الإرشاد والدعوة إلى الله فيسرى نفسه في هذه الحالة في بادئ النظر منقطعا عن الله متوجها إلى الخلق وهو في الحقيقة وعند التعمق غير منقطع كمال الانقطاع وأيضا لما كان هذا الانقطاع مأمورا به مرضيا للمحبوب فهو في حكم الوصل والاتصال بل أولى منه ويسمونه بالنزول والبر من الله بالله فيغتم الصوفي في هذه الحالة غاية يكون في الشدة والبلاء مثله كمثل سمكة ألقيت من البحر إلى الصحراء وقد ذكر مرارا أن من كان نزوله أتم كان إرشاده أشمل وأعم قالوا : إن نوحا عليه السلام لم يبلغ في النزول غاية ولذلك ما آمن معه إلا قليل وهم أصحاب السفينة مع لبثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نزوله أتم وأوفى ولم يبلغ تلك المنزلة أحد من الأنبياء، ولذلك شاع دينه في الورى مع لبثه فيهم ثلاثة وعشرين عاما كما كان عروجه أعلى وأسنى فكان قاب قوسين أو أدنى قال الشيخ الأكبر أنكروا دعوة نوح بما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بما كان من القرآن ولأجل كمال نزول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم الهم واصل الحزن وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم :( ما أوذي أحد مثل ما أوذيت ) رواه ابن عدي وابن عساكر عن جابر وأبو نعيم في الحلية عن أنس ولولا هذا التأويل فلا يظهر المعنى لهذا القول وقد أوذي نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاما وأوذي عيسى حتى ارتقى إلى السماء ويحيى وغيرهم حتى قتلوا في البلاء فلعل نزول هاتين السورتين أعني والضحى وألم نشرح كان لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم في حالة النزول في بدء أمره حين رأى نفسه في بادئ النظر منقطعا عن الله متوجها إلى الخلق ووافق ذلك فترة الوحي وحزن حزنا شديدا حتى قال في صحيح البخاري بلغنا أنه غدا مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبل وكلما أوفى بذروة الجبل لكي يلقي نفسه منه ينادي جبرائيل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه تقر نفسه وقالت خديجة إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك وكان سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لسلب تلك الحالة الموجبة للانقطاع عن الخالق والتوبة إلى الخلق التي عمها وداعا وقليا وحزن عليها والوصل بلا انقطاع ولا حجاب دائما فعلى هذا معنى قوله : ما ودَّعك ربك وما قلى ٣ أنه ليس الفراق الذي اعترضك وداعا وقليا حتى تغتم به بل هو كمال عروج ووصل معنى وإن كان هبوطا وفراقا صورة وللآخرة خير لك من الأولى يعني كل حالة آخرة تأتي عليك خير من الحالة الأولى لا يتطرق في أحوالك قصور وفتور قط حتى تكون في الدار الآخرة رؤية ووصالا بالكلية ولا يكون هاك تكليف التبليغ، والتوجه إلى الخلق ومشقة الفراق أصلا ولسوف يعطيك ربك عاجلا وآجلا ما تحب وترضى ألم يجدك يتيما فآوى ٦



١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٣..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير