ﭧﭨ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في مطلع السورة دلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وعلامات الحكمة، ودقة الصنع، وكان ذلك كله بحيث يبتعد من العاقل ألا يلتفت إليه، أتبعه جلّ شأنه ببيان السبب الحقيقي في طغيان الإنسان وتكبره وتماديه، وهو حبه للدنيا، واشتغاله بها، وجعلها أكبر همه، وذلك يعمي قلبه، ويجعله يغفل عن خالقه، وما يجب له في عنقه من إجلال وتعظيم، وقد كان ينبغي أن يكون حين الغنى والميسرة، وكثرة الأعوان، واتساع الجاه، أشد حاجة إلى الله منه في حال الفقر والمسكنة، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه وأعضائه، أما في حال الغنى فيتمنى ذلك ويتمنى سلامة مماليكه وأتباعه وأمواله.
ألا يعلم أنه راجع إلى ربه فمجازيه على ما يعمل ؟ وقد بلغ من حمقه أن يأمر وينهى، وأنه يوجب على غيره طاعته، ثم هو بعد ذلك يعرض عن طاعة ربه.
أما ينبغي له أن يهتدي ويشتغل بأمر نفسه ؟ فمن كان ذا عقل ورأي وثروة وجاه وأعوان، واختار الهدى، وتخلق بأخلاق المصلحين، كان ذلك خيرا له، وأجدى.
وإنا لننكلن به نكالا شديدا في العاجلة، ونهيننّه يوم العرض والحساب، وليدع أمثاله من المغرورين، فإنهم لن يمنعوه، ولن ينصروه.
ثم ختم السورة بأمره بالتوفر على عبادة ربه فعلا وإبلاغا للناس، مبتغيا بذلك القربى منه.
شرح المفردات : النادي : المكان الذي يجتمع فيه القوم، ولا يسمى ناديا حتى يكون فيه أهله، قال زهير :

وفيهم مقامات حسان وجوههم وأندية ينتابها القول والفعل
والزبانية : واحدهم زبنية ( بكسر فسكون )، وِزبني ( بالكسر )، والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله على تعذيب العصاة من خلقه.
وقد أمر هذا الكافر على ضرب من التهكم والتوبيخ بأن يدعو أهل الدفاع من قومه وذوي النجدة والبطش لينقذوه مما سيحل به، فقال : فليدع ناديه* سندع الزبانية أي فليجمع أمثاله ممن ينتدي معهم ليمنع المصلين المخلصين، ويؤذي أهل الحق الصالحين، فإنه إن فعل ذلك تعرض لسخط ربه والتنكيل به، وسندعو له من جنودنا كل قوي متين لا قبل له بمغلبته فيهلكه في الدنيا، أو يرديه في النار في الآخرة.
والمراد بهم الملائكة الذين أقامهم الله على تعذيب العصاة من خلقه، وسموا زبانية لأنهم يزبنون الكفار في النار، أي يدفعونهم ويسوقونهم إليها.
روي أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين أغلظ له في القول : يا محمد بمن تهددني ؟ وإني لأكبر هذا الوادي ناديا.
وروي أنه قال : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( لو فعل لأخذته الملائكة ).

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير