قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ .
في هذه الآيات الخمس تسع مسائل مرتبط بعضها ببعض ارتباط السبب بالمسبب، والعام بالخاص، والدليل بالمدلول عليه، وكلها من منهج هذا الكتاب المبارك. وفي الواقع أنها كلها مسائل أساسية بالغة الأهمية عظيمة الدلالة.
وقد قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية : إنها وأمثالها من السور التي فيها العجائب، وذلك لما جاء فيها من التأسيس لافتتاحية تلك الرسالة العظيمة، ولا تستطيع إيفاءها حقها عجزاً وقصوراً.
وقد كتب فيها شيخ الإسلام ابن تيمية بأسلوبه مائتين وعشرين صفحة متتالية، وفصلاً آخر في مباحث تتصل بها، ولو أوردنا كل ما يسعنا مما تحتمله، لكان خروجاً عن موضوع الكتاب، ولذا فإنا نقصر القول على ما يتصل بموضوعه، إلا ما جرى القلم به مما لا يمكن تركه، وباللَّه تعالى التوفيق.
أما المسائل التسع التي ذكرت هنا، فإنا نوردها لنتقيد بها وهي :
أولاً : الأمر بالقراءة، يوجه لنبي أمي.
والثانية : كون القراءة هذه باسم الرب سبحانه مضافًا للمخاطب صلى الله عليه وسلم باسم ربك.
الثالثة : وصف للرب الذي خلق { بدلاً من اسم اللَّه، واسم الذي يحيي ويميت أو غير ذلك.
الرابعة : خلق الإنسان بخصوصه، بعد عموم خلق وإطلاقه.
الخامسة : خلق الإنسان من علق، ولم يذكر ما قبل العلقة من نطفة أو خلق آدم من تراب.
السادسة : إعادة الأمر بالقراءة مع وربك الأكرم، بدلاً من أي صفة أخرى، وبدلاً من الذي خلق المتقدم ذكره.
الثامنة : التعليم بالقلم.
التاسعة : تعليم الإنسان ما لم يعلم.
لما كانت هذه السورة هي أول سورة نزلت من القرآن، وكانت تلك الآيات الخمس أول ما نزل منها على الصحيح، فهي بحق افتتاحية الوحي، فكانت موضع عناية المفسرين وغيرهم، والكلام على ذلك مستفيض في كتب التفسير والحديث والسيرة، فلا موجب لإيراده هنا. ولكن نورد الكلام على ما ذكرنا من موضوع الكتاب إن شاء اللَّه.
ثم تأتي المسألة الثامنة : وهي من الدلالة على النبوة والرسالة، وربك الأكرم الذي علم بالقلم، سواء كان الوقف على : اقرأ، وابتداء الكلام :( وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) أو الوقف على الأكرم وابتداء الكلام ( الذي علم بالقلم )، لأن من يعلم الجاهل بالقلم، يعلّم غيره بدون القلم بجامع التعليم بعد الجهل. فالقادر على هذا قادر على ذلك.
في قوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، مبحث التعليم ومورد سؤال، وهو إذا كان تعالى تمدح بأنه علّم بالقلم وأنه علّم الإنسان ما لم يعلم ، فكان فيه الإشادة بشأن القلم، حيث إن الله تعالى قد علم به، وهذا أعلى مراتب الشرف مع أنه سبحانه قادر على التعليم بدون القلم، ثم أورده في معرض التكريم في قوله : ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ، وعظم المقسم عليه، وهو نعمة الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالوحي، يدل على عظم المقسم به، وهو القلم وما يسطرون به من كتابة الوحي وغيره.
وقد ذكر القلم في السنة أنواعاً متفاوتة، وكلها بالغة الأهمية.
منها : أولها وأعلاها : القلم الذي كتب ما كان وما سيكون إلى يوم القيامة، والوارد في الحديث " أول ما خلق الله القلم، قال له : اكتب " الحديث. فعلى رواية الرفع، يكون هو أول المخلوقات، ثم جرى بالقدر كله، وبما قدر وجوده كله.
ثانيها : القلم الذي يكتب مقادير العام في ليلة القدر من كل سنة، المشار إليه بقوله : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ .
ثالثها : القلم الذي يكتب به الملك في الرحم ما يخص العبد من رزق وعمل.
رابعها : القلم الذي بأيدي الكرام الكاتبين المنوه عنه بقوله تعالى : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، أي بالكتابة كما في قوله : كِرَاماً كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ، إذا قلنا إن الكتابة في ذلك تستلزم قلماً، كما هو الظاهر.
خامسها : القلم الذي بأيدي الناس يكتبون به ما يعلمهم اللَّه، ومن أهمها أقلام كتاب الوحي، الذين كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكتابة سليمان لبلقيس.
وقوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، شامل لهذا كله، إذا كان هذا كله شأن القلم وعظم أمره، وعظيم المنة به على الأمة، بلى وعلى الخليقة كلها.
وقد افتتحت الرسالة بالقراءة والكتابة، فلماذا لم يكن النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي أعلن عن هذا الفضل كله للقلم لم يكن هو كاتباً به، ولا من أهله بل هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما في قوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ ؟
والجواب : أنا أشرنا أولاً إلى ناحية منه، وهي أنه أكمل للمعجزة، حيث أصبح النَّبي الأمي معلماً كما قال تعالى : يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .
وثانياً : لم يكن هذا النَّبي الأمي مُغْفِلاً شأن القلم، بل عنى به كل العناية، وأولها وأعظهما أنه اتخذ كتّاباً للوحي يكتبون ما يوحى إليه بين يديه، مع أنه يحفظه ويضبطه، وتعهد الله له بحفظه وبضبطه في قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ٦ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ، حتى الذي ينساه يعوضه الله بخير منه أو مثله، كما في قوله تعالى : * مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ، ووعد الله تعالى بحفظه في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ .
ومع ذلك، فقد كان يأمر بكتابة هذا المحفوظ وكان له عدة كتاب، وهذا غاية في العناية بالقلم.
وذكر ابن القيم من الكتاب الخلفاء الأربعة، ومعهم تتمة سبعة عشر شخصاً، ثم لم يقتصر صلى الله عليه وسلم في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي، بل جعل التعليم به أعم، كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلِّم الناس الكتابة بالمدينة، وكان كاتباً محسناً "، ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في الاستيعاب.
وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال :" علّمت ناساً من أهل الصفة الكتابة والقرآن ".
وقد كانت دعوته صلى الله عليه وسلم الملوك إلى الإسلام بالكتابة كما هو معلوم.
وأبعد من ذلك، ما جاء في قصة أسارى بدر، حيث كان يفادي بالمال من يقدر على الفداء، ومن لم يقدر وكان يعرف الكتابة كانت مفاداته أن يعلِّم عشرة من الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك، وكان ممن تعلم : زيد بن ثابت وغيره.
فإذا كان المسلمون وهم في بادئ أمرهم وأحوج ما يكونوا إلى المال والسلاح، بل واسترقاق الأسارى فيقدمون تعليم الغلمان الكتابة على ذلك كله، ليدل على أمرين :
أولهما : شدة وزيادة العناية بالتعليم.
وثانيهما : جواز تعليم الكافر للمسلم ما لا تعلق له بالدين، كما يوجد الآن من الأمور الصناعية، في الهندسة، والطب، والزراعة، والقتال، ونحو ذلك.
وقد كثر المتعلمون بسبب ذلك، حتى كان عدد كتاب الوحي اثنين وأربعين رجلاً، ثم كان انتشار الكتابة مع الإسلام، وجاء النص على الكتابة في توثيق الدين في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ، وهي أطول آية في كتاب الله تعالى رسمت فيها كتابة العدل الحديثة كلها.
وإذا كان هذا شأن القلم وتعلمه، فقد وقع الكلام في تعليمه للنساء على أنهن شقائق الرجال في التكليف والعلم، فهل كن كذلك في تعلم الكتابة أم لا ؟
مبحث تعليم النساء الكتابة
وقع الخلاف بسبب نصين في المسألة :
الأول : حديث الشفاء بنت عبد اللَّه قالت :" دخل عليَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة، فقال لي : ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ؟ " رواه المجد في المنتقى عن أحمد وأبي داود، وقال بعده : وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة.
والثاني : حديث عائشة رواه الحاكم وصححه البيهقي مرفوعاً :" لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة ـ يعني النساء ـ وعلموهن الغزل وسورة النور "، قال الشوكاني في نيل الأوطار، على حديث المنتقى وحديث عائشة : إن حديث الشفاء دليل على جواز تعليمهن، وحديث النهي : محمول على من يخشى من تعليمها الفساد، أعني تعليم الكتابة والقراءة.
أما تعليم العلم فليس محل خلاف، والواقع أن هذه المسألة واضحة المعالم، إذا نظرت كالآتي :
أولاً : لا شك أن العلم من حيث هو خير من الجهل، والعلم قسمان : علم سماع وتلق، وهذه سيرة زوجات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعائشة كانت القدوة الحسنة في ذلك في فقه الكتاب والسنة، وكم استدركت على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا مشهور ومعلوم.
والثاني : علم تحصيل بالقراءة والكتابة، وهذا يدور مع تحقق المصلحة من عدمها، فمن رأى أن تعليمهن مفسدة منعه، كما روي عن علي رضي الله عنه : أنه مرَّ على رجل يعلم امرأة الكتابة فقال : لا تزد الشر شراً.
وروي عن بعض الحكماء أنه رأى امرأة تتعلم الكتابة، فقال : أفعى تسقى سماً، وأنشدوا الآتي :
ما للنساء وللكتا *** بة والعمالة والخطابة
هذا لنا ولهن منا *** أن يبتن على جنابه
ومثله ما قاله المنفلوطي :
يا قوم لم تخلق بنات الورى *** للدرس والطرس وقال وقيل
لنا علوم ولها غيرها *** فعلّموها كيف نشر الغسيل
والثوب والإبرة في كفها *** طرس عليه كل خط جميل
وهذا نظر إلى تعليمهن وموقفهن من زاوية واحدة، كما قال الشاعر الآخر :
كتب القتل والقتال علينا *** وعلى الغانيات جر الذيول
مع أننا وجدنا في تاريخ المرأة نسوة شاركن في القتال، حتى عائشة رضي الله عنها كانت تسقي الماء، وأم سلمة تداوي الجرحى، إذ لا يؤخذ قول كل منهما على عمومه.
قال صاحب التراتيب الإدارية : أورد القلنشدي أن جماعة من النساء كن يكتبن، ولم ير أن أحداً من السلف أنكر عليهن. ا هـ.
ومن المعلوم رواية " كريمة " لصحيح البخاري، وهي من الرواية المعتبرة عن المحدثين، فقد رأيت بنفسي وأنا مدرس بالأحساء نسخة لسنن أبي داود عند آل المبارك وعليها تعليق لأخت صلاح الدين الأيوبي، وذكر صاحب التراتيب الإدارية قوله : وقد ثبت عن كثير من نساء أهل الصحراء الإفريقية خصوصاً شنقيط : شنجط، أي شنقيط، وهي المعروفة الآن بموريتانيا، وتيتبكتو، وقبيلة كنت العجب، حتى جاء أن الشيخ المختار الكنتي الشهير ختم مختصر خليل للرجال، وختمته زوجته في جهة أخرى للنساء. ا هـ.
ومما يؤيد ما ذكره أننا ونحن في بعثة الجامعة الإسلامية لإفريقيا، سمعنا ونحن في مدينة أطار -وهي على مقربة من مدينة شنجيط المذكورة - سمعنا من كبار أهلها أنه كان يوجد بها سابقاً مائتا فتاة يحفظن المدونة كاملة.
وقد سمعت في الآونة الأخيرة، أنه كانت توجد امرأة تدرس في المسجد النبوي الحديث، والسيرة، واللغة العربية، وهي شنقيطية.
ويجب أن تكون النظرة لهذه المسألة على ضوء واقع الحياة اليوم وفي كل يوم، وقد أصبح تعليم المرأة من متطلبات الحياة، ولكن المشكلة تكمن في منهج تعليمها، وكيفية تلقيها العلم.
فكان من اللازم أن يكون منهج تعليمها قاصراً على النواحي التي يحسن أن تعمل فيها كالتعليم والطب وكفى.
أما كيفية تعليمها، فإن مشكلتها إنما جاءت من الاختلاط في مدرجات الجامعات، وفصول الدراسة في الثانويات في فترة المراهقة، وقلة المراقبة، وفي هذا يكمن الخطر منها وعليها في آن واحد، فإذا كان لا بد من تعليمها، فلا بد أيضاً من المنهج الذي يحقق الغاية منه ويضمن السلامة فيه، والتوفيق من الله سبحانه.
أما ما يخشى عليها من الاتصال عن طريق الكتابة، فقد وجد ما هو أقرب وأسرع منها لمن شاءت وهو الهاتف في البيوت، فإنه في متناول المتعلمة والجاهلة. والمدار في ذلك كله على الحصانة التربوية والمتانة الدينية والقوة الأخلاقية.
وقد أوردت هذا المبحث استطراداً لبيان وجهة النظر في هذه المسألة، اقتباساً من قوله تعالى : الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، وباللَّه التوفيق.
مسألة
بيان أولية الكتابة عامة والعربية خاصة، وأول من خط بالقلم على الأرض :
جاء في المطالع النصرية للمطابع المصرية في الأصول الخطية المطبوع سنة ٤٠٣١ هـ ما نصه : وإنما أصول الكتابة اثني عشر على ما قاله ابن خلكان، وتبعه كثير من المؤلفين، كالدميري في حياة الحيوان، والحلبي في السيرة وغيرهما.
قال : إن جميع كتابات الأمم من سكان المشرق والمغرب اثنتي عشرة كتابة، خمس منها ذهب من يعرفها وبطل استعمالها وهي : الحميرية، والقبطية، والبربرية، والأندلسية، واليونانية، وثلاث منها فقد من يعرفها في بلاد الإسلام ومستعملة في بلادها، وهي السريانية والفارسية والعبرانية والعربية. ا هـ. كلامه باختصار وفيه ما فيه.
قال : والحميرية : هي خط أهل اليمن قوم هود، وهم عاد الأولى، وهي عاد إرم، وكانت كتابتهم تسمى المسند الحميري، وكانت حروفها كلها منفصلة، وكانوا يمنعون العامة من تعلمها، فلا يتعاطاها أحد إلا بإذنهم، حتى جاءت دولة الإسلام، وليس بجميع اليمن من يكتب ويقرأ.
وقال المقريزي في الخطط : القلم المسند، هو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد. ا هـ.
والمعروف الآن أن الحروف المستعملة في الكتابة في العالم كله بصرف النظر عن اللغات المنطوق بها هي ثلاثة فقط، الخط العربي بحروف ألف باء وبها لغات الشرق، والحروف اللاتيني
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان