الذي عَلَّمَ بالقلم أي علم الإنسان الخط بالقلم. فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب. قال الزجاج : علَّم الإنسان الكتابة بالقلم. قال قتادة : القلم نعمة من الله عزّ وجلّ عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش، فدلّ على كمال كرمه بأنه علم عباده مالم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلاّ هو، وما دوّنت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلاّ بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين، ولا أمور الدنيا، وسمي قلماً لأنه يقلم : أي يقطع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأنّ عنقه، فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«لو فعل لأخذته الملائكة عياناً»، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عنه قال :«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ إنك لتعلم أن ما بها رجل أكثر نادياً مني، فأنزل الله فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية فجاء النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلي، فقيل : ما يمنعك ؟ فقال : قد اسودّ ما بيني وبينه». قال ابن عباس : والله لو تحرّك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه. وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال :«قال أبو جهل : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم، قال : واللات والعزّى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنّ على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأنّ على رقبته، قال : فما فجئهم منه إلاّ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيده، فقيل له مالك ؟ فقال : إن بيني وبينه خندقاً من نار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً» قال : وأنزل الله كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّءاهُ استغنى إلى آخر السورة. يعني أبا جهل فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يعني قومه سَنَدْعُ الزبانية يعني الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : أَرَأَيْتَ الذي ينهى * عبداً إِذَا صلّى قال : أبو جهل بن هشام حين رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلي على ظهره وهو ساجد لله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : لَنَسْفَعا قال : لنأخذن. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ قال : ناصره. وقد قدّمنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسجد في إِذَا السماء انشقت [ الاِنشقاق : ١ ] وفي : اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني