اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( ١ ) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ١ ( ٢ )اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ( ٣ ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ( ٤ ) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( ٥ ) ( ١- ٥ ).
هذه الآيات هي على ما جاء في حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، سنورده بعد قليل، أولى الآيات القرآنية نزولاً. ومع أن هناك روايات تذكر أن الآيات الأولى من سور أخرى مثل سور القلم والمدثر والمزمل وأن سوراً أخرى مثل سورتي الفاتحة والضحى هي أول القرآن نزولاً فإن أحاديث أولية هذه الآيات أقوى سنداً كما أن مضمونها يلهم ترجيح هذه الأولية١.
وليس في هذه الآيات الواضحة العبارة أمر بالدعوة، وإنما هي تنبيه وإعداد. ولما كانت الآيات التالية لها تتضمن مشهدا من مشاهد تصدي بعض الطغاة للنبي عليه السلام حينما بدأ بدعوته وصلاته، فإن المعقول أن تكون هذه الآيات قد نزلت وحدها ثم نزلت آيات أو سور قرآنية أخرى فيها أمر بالدعوة ومبادئها، وأن تكون أولية السورة في ترتيب النزول هي بسبب أولية نزول هذه الآيات.
وقد نزلت هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً في غار حراء أحد جبال مكة أثناء اعتكافه في هذا الغار في رمضان، على ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها جاء فيه :" أولُ ما بُدئَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث - أي يتعبد- فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يَنزِعَ إلى أهلهِ، ويتزود لذلك، ثم يرجعُ إلى خديجة فيتزّودُ لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال :" اقرأ " فقال :" ما أنا بقارئ " قال :" فأخذني فغطَّنِي حتى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني ". فقال :" اقرأ " فقلت :" ما أنا بقارئ " قال :" فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني " فقال :" اقرأْ " فقلت :" ما أنا بقارئ " فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغَ مني الجهدُ، ثم أرسلني " فقال : اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ : ما لم يعلم " ١. ونزول هذه الآيات ليلا ًوفي رمضان مؤيد بآيات قرآنية منها آية سورة البقرة هذه : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ( ١٨٥ )، وآية سورة الدخان هذه : إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين( ٣ ) ، وآية سورة القدر هذه : إنا أنزلناه في ليلة القدر .
والأمر بالقراءة قصد به تلاوة ما يلقى إليه كما قصد به تنبيهه صلى الله عليه وسلم إلى المهمة العظمى التي انتُدب إليها، وتعلميه أن يجعل الله هو الفكرة الرئيسية التي تشغل ذهنه، وأن يذكره في كل أمر من أموره دون سواه كما هو المتبادر.
وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وشامل للناس جميعاً بالانصراف عما سوى الله، وبالارتفاع بالنفس الإنسانية إلى أفق لا تتأثر فيه بقوى الدنيا ومخاوفها، ولا ترتبط في حياتها ومعايشها ومطالبها ومآلها بغير الله الربّ الأكرم.
مغزى التنويه بالقراءة والكتابة والعلم
في أول ما نزل من القرآن
والآيات إلى هذا تنطوي على تنويه بالقراءة والكتابة والعلم، وبالإنسان الذي اختص وحده بالقابلية لهذه النعم، وبدء القرآن بذلك يزيد في قوة هذا التنويه، فكأنما أريد جعل هذه النعم في مقدمة نعم الله التي أنعمها على الإنسان، وفي مقدمة ما يجب على الإنسان أن يشكر الله عليه ويسعى في اكتسابه.
والقرآن على هذا الاعتبار أعظم وأقوى، وأول داع ديني إلى العلم والقراءة والكتابة. وتعبير الإنسان شامل للذكر والأنثى على السواء، وهكذا تكون الدعوة القرآنية شاملة جنسي الإنسان.
وفي هذا الجلال والروعة ما يعلو فوق كل مستوى، ما يدل على عظمة براعة استهلال القرآن الكريم والدعوة الإسلامية وبعد مداها، وقوة عناصر خلودها.
ولقد احتوت سور القرآن المكية والمدنية بعد هذه السورة آيات كثيرة جداً في التنويه بالكتاب والقرآن والعلم والعلماء والحث على العلم والتعلّم وبيان مسؤولية أهل العلم والذكر. وهو ما يزيد من جلال هذه البراعة وعظم مداها.
والمتبادر أنه لا يُقصد بالإشارة إلى خلق الإنسان من علق تقرير حقيقة تشريحية، ولا تخصيص الإنسان وحده بالخلق من علق دون غيره من الحيوان، وإنما قصد التنبيه على مظهر من مظاهر قدرة الله في نواميسه على إخراج إنسان كامل في صورته وأعضائه وحواسه من شيء تافه في مظهره المادي، وقد اختص الإنسان بالذكر ؛ لأنه موضوع الخطاب في الآيات، وهذا أسلوب قرآني عام. وهو الأسلوب التنبيهي الموجه على مختلف الطبقات في المناسبات الملائمة بما تتناوله عقولهم وحواسهم، وبقصد الموعظة والهداية.
وبناء على هذا فلا نرى محلاً ولا ضرورة إلى الاستطراد إلى حقائق تشريحية عن خلق الإنسان وتكوينه لأن ذلك ليس من أهداف الجملة القرآنية، ونرى وجوب الوقوف عند ما ذكرناه من هدفها على ما نبهنا عليه في المقدمة.
هذا، ولقد تعددت السور التي تبدأ بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الأفعال والأقوال مما يمكن أن يعد أسلوباً من أساليب النظم القرآني في مطالع السور.
التفسير الحديث
دروزة