ﯔﯕﯖ

قوله : أَن رَّآهُ استغنى ، مفعول له، أي : رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين ؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ١ :«ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و «اسْتَغْنَى » هو المفعول الثاني ».
قال شهاب الدين٢ : والمسألة فيها خلاف : ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى » البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رضي الله عنها - : لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الأسودان٣ ؛ وأنشد :[ الكامل ]

٥٢٥٥- ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي٤
وتقدم تحقيقه.
وقرأ قنبل٥ بخلاف عنه :«رأه » دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه » في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم :«أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة » بحذف لام «ترى » ؛ وقول الآخر :[ الرجز ]
٥٢٥٦- *** وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي٦***
يريد : فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال :«قرأت بها عليه » نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.

فصل في نزول الآية


قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح » : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال : يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة » ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال : فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال : يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم٧.
[ وقيل : أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله :«أن رآه » كما يقال : إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم ]٨.
١ الكشاف (٤/٧٧٧)..
٢ الدر المصون (٦/٥٤٦)..
٣ تقدم..
٤ البيت لقطري بن الفجاءة، ينظر ديوانه ص ١٧١، وخزانة الأدب (١/١٥٨)، ١٦٠، والدرر (١٨٥١٤، ٢٦٩١١٢)، وشرح التصريح (٢/١٠)، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٦، وشرح شواهد العيني (١/٤٣٨)، والمقاصد النحوية (٣/١٥٠، ٣٠٥)، وأسرار العربية ص ٢٥٥، والأشباه والنظائر (٣/١٣)، وأوضح المسالك (٣٣/٥٧)، وجواهر الأدب ص ٣٢٢، ومغني اللبيب (١/١٤٩)، وهمع الهوامع (١/١٥٦، ٢/٣٦)..
٥ ينظر: السبعة (٦٩٢)، والحجة ٦/٤٢٣، وإعراب القراءات (٢/٥٠٨)، وحجة القراءات (٧٦٧)..
٦ البيت لرؤية بن العجاج ينظر اللسان (وصى)، والبحر (٨/٤٨٩)، والدر المصون (٦/٥٤٦)..
٧ ينظر تفسير القرطبي (٢٠/٨٣)..
٨ سقط من: ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية