الوجه الثالث : فضائلها : ما ذكره تعالى بقوله سبحانه : سلام أي : عظيم جدّاً، وهو خبر مقدّم والمبتدأ هي ، جعلت سلاماً لكثرة السلام فيها من الملائكة لا يمرّون بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه، ويستمرّون على ذلك من غروب الشمس حتى أي : إلى مطلع الفجر أي : وقت مطلعه، أي : طلوعه. وقرأ الكسائي بكسر اللام على أنه كالمرجع، واسم زمان على غير قياس كالمشرق، والباقون بفتحها.
ومن فضائلها أنّ من قامها غفرت له ذنوبه، ففي الصحيحين :«من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه ». قال النووي في «شرح مسلم » : ولا ينال فضلها إلا من أطلعه الله تعالى عليها، فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها. قال الأذرعي : وكلام المتولي ينازعه حيث قال : يستحب التعبد في كل ليالي العشر حتى يحوز الفضيلة على اليقين اه. وهذا أولى، نعم حال من أطلق أكمل إذا قام بوظائفها. وعن أبي هريرة مرفوعاً :«من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر »، أي : أخذ حظاً منها. ويسنّ لمن رآها أن يكتمها، ويسنّ أن يكثر الدعاء والتعبد في ليالي رمضان، وأن يكون من دعائه :«اللهمّ إنك عفوّ كريم تحب العفو فاعف عني ».
ومن علاماتها أنّ الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها، رواه مسلم عن أبيّ بن كعب وعن ابن مسعود : قال :«إنّ الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر، فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع ». فإن قيل : لا فائدة في هذه العلامة فإنها قد انقضت. أجيب : بأنه يستحب أن يجتهد في ليلتها ويبقى يعرفها كما مرّ عن الشافعي أنها تلزم ليلة واحدة.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني