مطلع وقت طلوع.
سلام هي حتى مطلع الفجر هي ليلة يهب الله تعالى من أكرموا فيها سلاما من كل مخوف، فهي من أقوى أسباب السلامة والنجاة من أهوال الآخرة وعذابها، وفزعها وخزيها، وكل الليلة رحمة وسلام من بدايتها حتى انتهائها، بطلوع فجر اليوم التالي لها ؛ والجمهور على أنها في كل رمضان١ ؛ روى البخاري عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى "، فسره كثيرون بليالي الأوتار، وهو أظهر وأشهر٢. ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رأوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر "، وفيهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ". وروى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال : " خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة ". يقول صاحب تفسير القرآن العظيم : وجه الدلالة منه أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين لما حصل لهم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعيينها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال : إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط، وقوله : " فتلاحى فلان وفلان فرفعت " فيه استئناس لما يقال : إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، كما جاء في الحديث : " إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه "، وقوله : " فرفعت " أي رفع علم تعيينها لكم، لا أنها رفعت بالكلية من الوجود كما يقول جهلة الشيعة، لأنه قد قال بعد هذا : " فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة "، وقوله : " وعسى أن يكون خيرا لكم " يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الآخر أكثر ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه- البخاري ومسلم – من حديث عائشة ؛ ولهما عن ابن عمر : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان ؛ وقالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه. ولمسلم عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره، ... والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات ؛ وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخيرة منه، ثم في أوتاره أكثر ؛ والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء : " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني "... عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ! أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال : " قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني :"، وهذا لفظ الترمذي، ثم قال : هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم من مستدركه، وقال : هذا صحيح على شرط الشيخين. اه٣.
٢ - روى الإمام أحمد- بسنده- عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر فإنها في وتر إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة) وروى الترمذي والنسائي. بسنديهما- عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس ييقين أو ثلاث أو آخر ليلة) يعني التمسوا ليلة القدر؛ وقال الترمذي: حسن صحيح.
٣ - أورد جمع من المفسرين كلاما طويلا، سموا جانبا منه آثارا، وجانبا سموه أحاديث، أوردها بعضهم وسكت عنها، وبعضهم يقول بعد إيراد الواحد منها: ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدا؛ هذا من حيث النقل، أما من حيث العقل فالذي رووه سيق لذم دولة بني أمية؛ فأية مناسبة بين ليلة القدر وبين دولة بني أمية؟! إن تفضيل ليلة القدر على دولتهم لا يدل على ذم أيامهم! إذ كيف تمدح ليلة لها الشرف الرفيع بتفضيلها على أيام عنوا ذمها؟ إنهم كالذي عجب منه الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟!
يقول ابن كثير: ثم الذي يفهم من الآية أن الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية، والسورة مكية، فكيف يقال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف الحديث ونكارته؛ والله أعلم؛ وبعض الآثار التي سيقت يعنون عنه مورده بهذا العنوان: ذكر أثر غريب ونبأ عجيب يتعلق بليلة القدر؛ ويطول هذا الأثر حتى يربو على الستمائة كلمة! ألا إن السنة الصحيحة تشفى وتكفي، ؛ ولقد عظمت منة الله تعالى علينا بالكتاب العزيز: .. ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فحبسبنا كتاب الله، والصحيح من حديث رسول الله؛ والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب