ثم بيّن سبحانه حال الفريقين في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا فقال : إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِي نَارِ جَهَنَّمَ . الموصول اسم «إنّ »، و المشركين معطوف عليه، وخبرها في نار جهنم ، و خالدين فِيهَا حال من المستكنّ في الخبر، ويجوز أن يكون قوله : و المشركين مجروراً عطفاً على أهل الكتاب. ومعنى كونهم في نار جهنم أنهم يصيرون إليها يوم القيامة، والإشارة بقوله : أولئك إلى من تقدّم ذكرهم من أهل الكتاب والمشركين المتصفين بالكون في نار جهنم والخلود فيها هُمْ شَرُّ البرية أي الخليقة، يقال برأ : أي خلق، والبارئ الخالق، والبرية الخليقة. قرأ الجمهور الْبَرِيَّة بغير همز في الموضعين وقرأ نافع وابن ذكوان فيها بالهمز. قال الفرّاء : إن أخذت البرية من البراء، وهو التراب لم تدخل الملائكة تحت هذا اللفظ، وإن أخذتها من بريت القلم : أي قدّرته دخلت. وقيل : إن الهمز هو الأصل لأنه يقال برأ الله الخلق بالهمز : أي ابتدعه واخترعه ومنه قوله : مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا [ الحديد : ٢٢ ] ولكنها خففت الهمزة، والتزم تخفيفها عند عامة العرب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : مُنفَكّينَ قال : برحين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : أتعجبون من منزلة الملائكة من الله، والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملك، واقرءوا إن شئتم إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية . وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت :«قلت يا رسول الله من أكرم الخلق على الله ؟ قال :«يا عائشة أما تقرئين : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية ». وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال :«كنا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، ونزلت : إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية فكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا أقبل قالوا : قد جاء خير البرية». وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعاً «علي خير البرية». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال :«لما نزلت هذه الآية إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ :«هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين». وأخرج ابن مردويه عن عليّ مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا أخبركم بخير البرية ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه، ألا أخبركم بشرّ البرية ؟ قالوا بلى، قال : الذي يسأل بالله ولا يعطي به» قال أحمد : حدّثنا إسحاق بن عيسى، حدّثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبو هريرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكره.