ﮗﮘﮙﮚ

قوله : بِأَنَّ رَبَّكَ متعلق ب «تُحدِّثُ »، أي : تحدث الأرض بما أوحى إليها، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها.
وقيل : الباء زائدة، و«أنَّ » وما في حيزها بدل من أخبارها.
وقيل : الباء سببية، أي : بسبب إيحاء الله إليها.
وقال الزمخشريُّ :«فإن قلت١ : أين مفعولاً «تُحدِّثُ » ؟. قلت : حذف أولهما، والثاني : أخبارها، أي : تحدث الخلق أخبارها، إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت : بم تعلقت الباء، في قوله «بأنَّ ربَّك » ؟. قلتُ : ب «تحدث » ومعناه : تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى : يومئذٍ تحدثُ بتحديث أن ربَّك أوحى لها أخبارها، على أن تحديثها بأن ربِّك أوحى لها تحديث بأخبارها، كما تقول : نصحتني كُلَّ نصيحة بأن نصحتني في الدين ».
قال أبو حيان٢ : وهو كلام فيه عفش، ينزه القرآن عنه.
قال شهاب الدين٣ : وأي عفش فيه، فصحته وفصاحته، ولكنه لما طال تقديره من جهة إفادة هذا المعنى الحسن جعله عفشاً، وحاشاه.
ثم قال الزمخشري٤ :«ويجوز أن يكون «بأنَّ ربَّك » بدلاً من «أخبارها »، كأنه قيل : يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربَّك أوحى لها، لأنك تقول : حدثته كذا، وحدثته بكذا ».
قال أبو حيَّان٥ :«وإذا كان الفعل تارة يتعدى بحرف جر، وتارة يتعدى بنفسه، وحرف الجر ليس بزائد، فلا يجوز في تابعه إلاَّ الموافقة في الإعراب، فلا يجوز :«استغفرتُ الذنب العظيم » «بنصب «الذنب » وجر «العظيم » لجواز أنك تقول :«من الذنب »، ولا «اخترتُ زيداً الرجال الكرام » بنصب «الرجال » وخفض «الكرام »، وكذلك لا يجوز :«استغفرتُ من الذنب العظيم » بجر «الذنب » ونصب «العظيم »، وكذلك في «اخترتُ »، فلو كان حرف الجر زائداً جاز الاتباع على موضع الاسم بشروطه المحررة في علم النحو، تقول : ما رأيت من رجل عاقلاً، لأن «من » زائدة، ومن رجل عاقل على اللفظ، ولا يجوز نصب «رجل » وجر «عاقل » على مراعاة جواز دخول «من »، وإن ورد شيء من ذلك، فبابه الشعر ». انتهى.
قال شهاب الدين٦ : ولا أدري كيف يلزم الزمخشري ما ألزمه به من جميع المسائلِ التي ذكرها، فإن الزمخشري يقول : إن هذا بدل مما قبله، ثم ذكر مسوغ دخول الباءِ في البدل، وهو أن المبدل منه يجوز دخول الباء عليه، فلو حل البدل محل المبدل منه ومعه الباء لكان جائزاً ؛ لأن العامل يتعدى به، وذكر مسوغاً لخلو المبدل منه من الباء، فقال :«لأنك تقول : حدثته كذا وحدثته بكذا »، وأما كونه يمتنع أن يقول :«استغفرتُ الذنب العظيم » بنصب «الذنب » وجرّ «العظيمِ » إلى آخره، فليس في كلام الزمخشري شيء منه ألبتة، ونظير ما قاله الزمخشري في باب «استغفر » أن تقول : استغفرت الله ذنباً من شتمي زيداً، فقولك «من شتمي » بدل من «الذنب »، وهذا جائزٌ لا محالة.
قوله : أوحى لَهَا في هذه اللام أوجه :
أحدها : أنها بمعنى «إلى »، وإنما أوثرت على «إلى » لمراعاة الفواصل، والمعنى : أوحى لها تحدث أخبارها بوحي الله تعالى لها، أي إليها، والعرب تضع لام الصفة موضع «إلى »، قال العجَّاجُ يصفُ الأرض :[ الرجز ]

٥٢٦٥- أوْحَى لهَا القَرار فاسْتقرَّتِ وشدَّهَا بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ٧
قاله أبو عبيدة.
الثاني : على أصلها، «أوحَى » يتعدى باللام تارة، وب «إلى » أخرى، ومنه البيت.
الثالث : اللام على بابها من العلة، والموحى إليه محذوف، وهو الملائكة، تقديره : أوحى إلى الملائكة لأجل الأرض، أي : لأجل ما يفعلون فيها.
قال الثوريُّ : تحدث أخبارها مما كان عليها من الطَّاعات والمعاصي، وما كان٨ على ظهرها من خير وشر.
١ ينظر: الكشاف ٤/٧٨٤..
٢ البحر المحيط ٨/٤٩٧..
٣ الدر المصون ٦/٥٥٥..
٤ الكشاف ٤/٧٨٤..
٥ البحر المحيط ٨/٤٩٧..
٦ ينظر: الدر المصون ٦/٥٥٥..
٧ ينظر ديوان العجاج ص ٢٦٦، واللسان (وحى) والمحتسب ٢/٣٣١، والبحر ٨/٤٩٧، والدر المصون ٦/٥٥٥..
٨ في أ: عمل..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية