﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ

سورة الروم — الآية ١٧


"
برنامج لمسات بيانية سؤال : قال تعالي في سورة الروم : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [17] وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [ الروم : 17 -18 ] . فقدم الإمساء علي الاصباح , وقدم العشي علي الاظهار . وقال في سورة الاحزاب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [41] وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الاحزاب : 41 – 42 ] . فقدم البكرة علي الاصيل . فما سبب ذاك ؟ الجواب : إن كل تعبير مناسب لما ورد في سياقه ؛ فإن آيات الروم في سياق ذكر الساعة , فقد قال قبلها : { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ...... } [ الروم : 14 – 18 ] . والساعة بعد زوال الدنيا وهي آخرها , والامساء آخر النهار , فناسب آخر الدنيا آخر النهار . وقدم العشي علي الاظهار كما قدم الامساء علي الاصباح . فالعشي متصل بالامساء , والاظهار يلي الاصباح . وأما ما ورد في سورة الاحزاب فإنه مناسب لما ورد في سياقه ؛ فقد قالقبل هذه الآية : { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } [ الاحزاب : 38 ] . وهذا ابتداء من أوائل التاريخ من الأمم السابقة , فناسب تقديم ذكر البكرة ؛ لأنها اول النهار فناسب الأول الأول . وبعد هذه الآية قوله سبحانه : { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } [ الاحزاب : 43 ] . فقال : { لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } وبعد الظلمة إنما هي البكرة , وليس الأصيل , فناسب كل تعبير موضعه . جاء في ( التفسير الكبير ) للفخر الرازي : " قدم الامساء علي الاصباح هاهنا , وآخره في قوله : { وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } ؛ وذلك لأن ههنا اول الكلام ذكر الحشر والاعادة , من قوله : { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } إلي قوله { فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } [ الروم 11 – 16 ] . وأخر هذه الآية أيضا ذكر الحشر والاعادة بقوله : { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } والامساء آخر فذكر الآخر ؛ ليذكر الآخرة ". وجاء في ( البحر المحيط ) لأبي حيان : " وقدم الامساء علي الاصباح , كما قدم في قوله : { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ } والظلمات علي النور , وقابل بالعشي الامساء وبالاظهار الاصباح ؛ لأن كلا منهما يعقب بما يقابله , فالعشي يقابله الامساء , والاصباح ي يعقبه الاظهار " . وجاء في ( روح المعاني ) : " قدم الامساء علي الاصباح لتقدم الليل والظلمة , وقدم العشي علي الاظهار ؛ لأنه بالنسبة إلي الاظهار كالامساء بالنسبة إلي الاصباح " .
ف

فاضل السامرائي

بلاغة القرآن

وقفات تدبُّرية مشابهة