عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر ومقاتل، عن الضحاك- قال: ثُمَّ قال: يا محمد. يُخبِر بقِصَّة عيسى: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا﴾ يعني: مَكِينًا عند الله في الدنيا، ﴿ومن المقرّبين﴾ في الآخرة
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر ومقاتل، عن الضَّحّاك- قال: ﴿وكهلًا﴾ ويكلّمهم كهلًا إذا اجتمع قبل أن يُرْفَع إلى السماء، ﴿ومن الصالحين﴾ يعني: من المرسلين
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى، ويستهزِءون به، ويقولون له: يا عيسى، ما أكل فلانٌ البارحةَ، وما ادَّخَر في بيته لِغَدٍ؟ فيُخبِرُهم، فيسخرون منه، حتى طال ذلك به وبهم، وكان عيسى ليس له قرارٌ ولا موضعٌ يُعْرَفُ، إنّما هو سائح في الأرض، فمَرَّ ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي، فسألها، فقالت: ماتت ابنةٌ لي، لم يكن لي ولد غيرها. فصلّى عيسى ركعتين، ثُمَّ نادى: يا فلانةُ، قُومي بإذن الرَّحْمن، فاخرُجي. فتحرَّك القبْرُ، ثم نادى الثّانية، فانصدع القبر، ثم نادى الثالثة، فخرجت وهي تنفُضُ رأسَها مِن التُّراب، فقالت: يا أُمّاه، ما حملك على أن أذوق كَرْب الموت مَرَّتين، يا أُمّاه، اصبري واحتسبي، فلا حاجة لي في الدُّنيا، يا رُوح الله، سل ربي أن يَرُدَّني إلى الآخرة، وأن يُهَوِّن عَلَيَّ كَرْب الموت. فدعا ربَّه، فقبضها إليه، فاستوت عليها الأرض، فبلغ ذلك اليهود، فازدادوا عليه غضبًا، وكان مَلِكٌ منهم في ناحية في مدينة يُقال لها: نَصِيبِين، جبّارًا عاتيًا، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهلَ تلك المدينة إلى المراجعة، فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحَوارِيُّون، فقال لأصحابه: ألا رجلٌ منكم ينطلق إلى المدينة، فينادي فيها، فيقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فقام رجلٌ مِن الحوارِيِّين يُقال له: يعقوب. فقال: أنا، يا رُوح الله. قال: فاذهبْ، فأنت أوَّلُ مَن يتبرَّأُ مِنِّي. فقام آخر يُقال له: توصار. قال له: أنا معه. قال: وأنت معه. ومشيا، فقام شمعون، فقال: يا رُوح الله، أكون ثالثهم، فأْذَنْ لي أن أنال منك إن اضطررت إلى ذلك. قال: نعم. فانطلقوا، حتى إذا كانوا قريبًا من المدينة قال لهما شمعون: ادخلا المدينة، فبلِّغا ما أُمِرتما، وأنا مقيم مكاني، فإن ابْتُلِيتُما احْتَلْتُ لكما. فانطلقا حتى دخلا المدينة، وقد تحدَّث الناسُ بأمر عيسى، وهم يقولون فيه أقبحَ القول وفي أُمِّه، فنادى أحدُهما -وهو الأوَّلُ-: ألا إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فوَثَبوا إليهما: مَن القائلُ: إنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله؟ فتبرَّأ الذي نادى، فقال: ما قلتُ شيئًا. فقال الآخرُ: قد قلتَ، وأنا أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، فآمِنوا به -يا معشر بني إسرائيل- خيرًا لكم. فانطلقوا إلى ملكهم، وكان جبّارًا طاغيًا، فقال له: ويلك، ما تقول؟! قال: أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه. قال: كذبتَ. فقذفوا عيسى وأُمَّه بالبُهْتان، ثُمَّ قال له: تَبَرَّأْ –ويلَك- مِن عيسى، وقُلْ فيه مقالَتنا. قال: لا أفعلُ. قال: إن لم تفعل قطعتُ يديك، ورجليك، وسَمَرْتُ عينيك. فقال: افعلْ ما أنت فاعل. ففعل به ذلك، فألقاه على مَزْبلة في وسط مدينتهم. ثم إنّ الملك هَمَّ أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع النّاس، فقال لهم: ما قال هذا المسكين؟ قالوا: يزعم أنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. فقال شمعون: أيُّها الملكُ، أتأذن لي فأدنو منه فأسأله، قال: نعم. قال له شمعون: أيّها المُبْتَلى، ما تقول؟ قال: أقول: إنّ عيسى عبدُ الله ورسولُه. قال: فما آيتُه؟ تعرفُه؟ قال: يبرئُ الأكمهَ والأبرصَ والسقيمَ. قال: هذا يفعله الأطِبّاءُ، فهل غيرُه؟ قال: نعم، يخبركم بما تأكلون وما تَدَّخِرون. قال: هذا تعرفه الكهنةُ، فهل غيرُ هذا؟ قال: نعم، يخلق من الطين كهيئة الطير. قال: هذا قد تفعله السحرة، يكون أخذَه منهم. فجعل الملك يتعجَّبُ منه وسؤاله. فقال: هل غيرُ هذا؟ قال: نعم، يُحْيِي الموتى. قال: أيُّها الملِكُ، إنّه ذَكَر أمرًا عظيمًا، وما أظُنُّ خلقًا يقدر على ذلك إلا بإذن الله، ولا يقضي اللهُ ذلك على يد ساحر كذّاب، فإن لم يكن عيسى رسولًا فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك لأحد إلا بإبراهيم حين سأله: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ [البقرة:٢٦٠]، ومَن مِثلُ إبراهيم خليل الرحمن؟!