سورة الحشر — الآية ٢٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ كلّ شيء في القرآن تنزيه نزّه نفسه مِن السوء؛ إلا أوَّل بني إسرائيل: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] يقول: عجب، و﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ﴾ [يس:٣٦] يعني: عجب الذي خلق الأزواج، وقوله: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧] يقول: صلُّوا لله، ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ نزّه الرّبُّ نفسه عن قولهم البهتان ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه، فنزّه الرّبُّ نفسه أن يكون له شريك، فقال: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ معه غيره أن يكون له شريك
قراءة الأثر في موضعه
سورة الحشر — الآية ٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ﴾ يعني: خالق كلّ شيء، خلق النّطفة والمُضغة، ثم قال: ﴿البارِئُ﴾ الأنفس حين يراها بعد مُضغة إنسانًا فجعل له العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين، ثم قال: ﴿المُصَوِّرُ﴾ في الأرحام، كيف يشاء؛ ذكر وأنثى، أبيض وأسود، سَوِيٌّ وغير سَوِيّ، ثم قال: ﴿لَهُ الأَسْماءُ الحُسْنى﴾ يعني: الرحمن الرحيم العزيز الجبّار المتكبر، ونحوها من الأسماء، يعني: هذه الأسماء التي ذكرها في هذه السورة، ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ والأَرْضِ﴾ يعني: يَذكره ويُوحّده ما في السموات والأرض وما فيهما، مِن الخلْق وغيره، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمْره
قراءة الأثر في موضعه
قال مقاتل بن سليمان: سورة الامتحان مدنيّة، عددها ثلاث عشرة آية كوفيّة
سورة الممتحنة — الآية ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ أمر الناسَ بالجهاد وعَسكَرَ، وكتب حاطِب بن أبي بَلْتَعة إلى أهل مكة: إنّ محمدًا قد عَسكَر، وما أراه إلا يريدكم؛ فخذوا حِذركم. وأَرسَل بالكتاب مع سارة مولاة أبي عمرو بن صيفيّ بن هاشم، وكانت قد جاءتْ من مكة إلى المدينة، فأعطاها حاطِب بن أبي بَلْتَعة عشرة دنانير على أن تُبلغ كتابه أهل مكة، وجاء جبريل، فأَخبَر النبيَّ ﷺ بأمْر الكتاب وأمْر حاطِب، فبَعث رسولُ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، والزّبير بن العوام، وقال لهما: «إنْ أعطتْكما الكتابَ عفوًا خلِّيا سبيلها، وإنْ أبتْ فاضربا عُنُقها». فسارا حتى أدَركاها بالجُحْفةِ، وسألاها عن الكتاب، فحَلفَت: ما معها كتاب. وقالت: لَأنا إلى خيركم أفقر مِنِّي إلى غير ذلك. فابتَحَثاها، فلم يجدا معها شيئًا، فقال الزّبير لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: ارجع بنا، فإنّا لا نرى معها شيئًا. فقال علي: واللهِ، لأضربنّ عُنُقها، واللهِ، ما كَذَب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقال الزّبير: صدقتَ، اضرب عُنُقها. فسلَّ علِيٌّ سيفه، فلما عرفت الجِدّ منهما أخذتْ عليهما المواثيق: لئن أعطيتُكما الكتاب لا تقتلاني، ولا تَسبِياني، ولا تَرُدّاني إلى محمد ﷺ، ولتُخلّيان سبيلي. فأَعطَياها المواثيق، فاستَخرجت الصّحيفة مِن ذؤابتها، ودَفعتْها، فخلَّيا سبيلها، وأقْبَلا بالصّحيفة فوضَعاها في يدي رسول الله ﷺ، فقرأها، فأرسَل إلى حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال له: «أتعرف هذا الكتاب؟». قال: نعم. قال: «فما حمَلك على أن تُنذر بنا عدوَّنا؟». قال حاطِب: اعفُ عنِّي، عفا الله عنك، فوالذي أنزل عليك الكتاب، ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا كذبتُك منذ صدّقتك، ولا أبغضتُك منذ أحببتُك، ولا واليتُهم منذ عاديتُهم، وقد علمتُ أنّ كتابي لا ينفعهم ولا يضرّك، فاعذرني، جعلني الله فداك؛ فإنه ليس من أصحابك أحدٌ إلا وله بمكة مَن يَمنع ماله وعشيرته غيري، وكنتُ حليفًا ولست من أنفُس القوم، وكان حُلفائي قد هاجروا كلّهم، وكنتُ كثير المال والضّيعة بمكة، فخِفتُ المشركين على مالي، فكتبتُ إليهم لأتوسّل إليهم بها، وأَتّخذها عندهم مَودّة لأدفع عن مالي، وقد علمتُ أنّ الله مُنزل بهم خِزيه ونِقمته، وليس كتابي يُغني عنهم شيئًا. فعرف رسول الله ﷺ أنه قد صَدق فيما قال، فأنزل الله تعالى عِظَةً للمؤمنين أن يعودوا لِمِثل صَنيع حاطِب بن أبي بَلْتَعة، فقال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾... وفي حاطِب نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية [المجادلة:٢٢]
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ[[c=٦٥٦٠]] أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ[[c=٦٥٦١]]﴾ يعني: الصّحيفة، ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ﴾ يعني: القرآن، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ مِن مكة ﴿وإيّاكُمْ﴾ قد أُخرِجوا مِن دياركم، يعني: من مكة ﴿أنْ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: بأنْ آمنتم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي[[c=٦٥٦٢]]﴾ فلا تُلقُوا إليهم بالمودّة، ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ يعني: بالصّحيفة فيها النّصيحة، ﴿وأَنا أعْلَمُ[[c=٦٥٦٣]] بِما أخْفَيْتُمْ﴾ يعني: بما أسْررتم في أنفسكم مِن المودّة والولاية، ﴿وما أعْلَنْتُمْ﴾ لهم من الولاية، ﴿ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ﴾ يعني: ومَن يُسرّ بالمودّة إلى الكفار ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول: فقد أخطا قَصْد طريق الهُدى[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٢٩٩.]]
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر المؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، فقال: ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أعْداءً﴾ يقول: إن يَظهروا عليكم وأنتم على دينكم الإسلام مُفارقين لهم، ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾ بالقتْل، ﴿وأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ يعني: الشَّتم، ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ إن ظهروا عليكم، يعني: أن تَرجعوا إلى دينهم[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ٣
قال مقاتل بن سليمان: فإن فعلتم ذلك ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ﴾ يعني: لا تغني عنكم ﴿أرْحامُكُمْ﴾ يعني: أقرباءكم، ﴿ولا أوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بالعدل، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ به[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين؛ ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآء مِنكُمْ ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة، ﴿كَفَرْنا بِكُمْ﴾ يقول: تبرّأنا منكم[[c=٦٥٦٥]]، ﴿وبَدا﴾ يعني: وظهر ﴿بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ يعني: تُصدّقوا بالله وحده[[تفسير مقاتل بن سليمان ٤/٣٠٠.]]
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، يقول الله: تَبَرّؤوا مِن كفار قومكم؛ فقد كانت لكم أُسوة حسنة في إبراهيم ومَن معه مِن المؤمنين في البراءة مِن قومهم، وليس لكم أُسوة حسنة في الاستغفار للمشركين، يقول إبراهيم: لَأَستغفرنّ لك، وإنما كانت موعدة وعدها أبو إبراهيم إيّاه أنه يؤمن، فلمّا تبيّن له عند موته أنه عدوٌّ لله تبرّأ منه حين مات على الشّرك، وحُجب عنه الاستغفار، ثم قال إبراهيم: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾
قراءة الأثر في موضعه
سورة الممتحنة — الآية ٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تُقتِّر علينا بالرّزق، وتَبسط لهم في الرّزق، فنحتاج إليهم؛ فيكون ذلك فِتنة لنا، ﴿واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾... ، نظيرها في آخر المائدة
قراءة الأثر في موضعه