جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :﴿رَبّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبّنَآ إِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَمَن يَتَوَلّ فَإِنّ اللّهَ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ﴾.
يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل إبراهيم خليله والذين معه : يا ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بك فجحدوا وحدانيتك، وعبدوا غيرك، بأن تسلطهم علينا، فيروا أنهم على حقّ، وأنا على باطل، فتجعلنا بذلك فتنة لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا﴾قال لا تعذّبنا بأيديهم، ولا بعذاب من عندك، فيقولوا : لو كان هؤلاء على حقّ ما أصابهم هذا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿رَبّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا﴾قال : يقول : لا تظهرهم علينا فيَفْتَتنوا بذلك. يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحقّ هم عليه.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله :﴿لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً للّذِينَ كَفَرُوا﴾يقول : لا تسلّطْهم علينا فيفتنونا.
وقوله :﴿وَاغُفِرْ لَنا رَبّنا﴾يقول : واستر علينا ذنوبنا بعفوك لنا عنها يا ربنا، ﴿إنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾يعني الشديد الانتقام ممن انتقم منه، الحكيم : يقول الحكيم في تدبيره خلقه، وصرفه إياهم فيما فيه صلاحهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ويعني بقوله: (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) يقول: وما أدفع عنك من الله من عقوبة، إن الله عاقبك على كفرك به، ولا أُغْنِي عنك منه شيئًا.
وقوله: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا) يقول جلّ ثناؤه مخبرًا عن قيل إبراهيم وأنبيائه صلوات الله عليهم: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا) يعني: وإليك رجعنا بالتوبة مما تكره إلى ما تحب وترضى (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) يقول: وإليك مصيرنا ومرجعنا يوم تبعثنا من قبورنا، وتحشرنا في القيامة إلى موقف العَرْض.