قال مقاتل بن سليمان:... رجع يومئذ عبدُ الله بن أُبَيٍّ في ثلاثمائة، ولم يشهدوا القتال، فقال عبد الله بن رباب وأصحابه: أبْعَدَكُم اللهُ، سيُغْنِي اللهُ عز وجل نبيَّه ﷺ والمؤمنين عن نصرِكم. فلمّا انهزم المؤمنون وقُتِلوا يومئذ قال عبدُ الله بن أُبَيٍّ: لو أطاعونا ما قُتِلوا. يعني: عبد الله بن رباب وأصحابه؛ فأنزل الله عز وجل في قول عبد الله بن أُبَيٍّ: ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين ولا الوِلاية -كقوله سبحانه: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صالِحًا﴾ [الأعراف:٧٣، وهود:٦١]، ليس بأخيهم في الدين ولا في الوِلاية، ولكن أخاهم في النسب والقرابة- ﴿وقعدوا﴾ عن القتال: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾. فأوجب اللهُ لهم الموتَ [صِغْرَةً] قَمْأَةً، والإيجاب لمن كرهوا قتله مِن أقربائهم، فقال سبحانه: ﴿قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدرٍ؛ مَن قُتِل المسلمين يومئذ، وهم أربعة عشر رجلًا؛ سِتَّةٌ مِن المهاجرين: مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب -فقال النبي ﷺ يوم بدر: «سيِّدُ شهداءِ أُمَّتِي مِهْجَع». وهو أول قتيل قُتِل يوم بدر-، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، وعمير بن أبي وقاص بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وذو الشماليل عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن نضلة بن عبد عمرو القيساني، و[عاقل] بن بكير، وصفوان بن بيضاء. وثمانية من الأنصار: حارثة بن سراقة، ويزيد بن الحارث بن جشم، ومُعَوِّذ بن الحارث، وعوف بن الحارث بن رفاعة ابنا عفراء -الاسم اسم أمهما عفراء-، ورافع بن المعلى، وسعد بن حنتمة، وعمرو بن الحمام بن الجَموح، ومبشر بن عبد المنذر. فقال رجل: يا ليتنا نعلم ما لقي إخوانُنا الذين قُتِلوا ببدر. فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدر ﴿أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ الثمار في الجنة، وذلك أنّ الله تعالى جعل أرواح الشهداء طيرًا خضرًا ترعى في الجنة، لها قناديل مُعَلَّقة بالعرش تَأْوِي إلى قناديلها، فاطَّلع الله عز وجل عليهم، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: أولسنا نسرح في الجنة حيث نشاء؟! ثم اطَّلع عليهم أخرى، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ ثم اطَّلَع الثالثة، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: ربَّنا، نريد أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا، فنقاتل في سبيلك مرة أخرى لِما نرى من كرامتِك إيّانا. ثم قالوا فيما بينهم: ليت إخواننا الذين في دار الدنيا يعلمون ما نحن فيه من الكرامة والخير والرزق، فإن شهدوا قتالًا سارعوا بأنفسهم إلى الشهادة. فسمع الله عز وجل كلامَهم، فأوحى إليهم: أنِّي منزل على نبيكم ومُخْبِرٌ إخوانَكم بما أنتم فيه، فاستبشِروا بذلك. فأنزل الله عز وجل يُحَبِّبُ الشهادةَ إلى المؤمنين: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾ يعني: قتلى بدر ﴿أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ من الثمار
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ يعني: مِن بعدهم مِن إخوانهم في الدنيا أنّهم لو رأوا قِتالًا لاسْتُشْهِدوا ليَلْحَقوا بهم. ثُمَّ قال سبحانه: ﴿ألا خوف عليهم﴾ من العذاب، ﴿ولا هم يحزنون﴾ عند الموت
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ وذلك أن المشركين انصرفوا يوم أحد ولهم الظفر، فقال النبي ﷺ: «إني سائر في أثر القوم». وكان النبي ﷺ يوم أحد على بغلة شهباء، فدَبَّ المنافقون إلى المؤمنين، فقالوا: أتوكم في دياركم، فوطئوكم قتلًا، وكان لكم النصر يوم بدر، فكيف تطلبونهم وهم اليوم عليكم أجرأ، وأنت اليوم أرعب؟! فوقع في أنفس المؤمنين قول المنافقين، فاشتكوا ما بهم من الجِراحات، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ إلى آخر الآية، وأنزل الله تعالى: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون﴾ [ النساء:١٠٤]، يعنى: تتوجعون من الجِراحات، إلى آخر الآية. فقال النبي ﷺ: «لأطلبنهم ولو بنفسي». فانتَدَب مع النبي ﷺ سبعون رجلًا من المهاجرين والأنصار، حتى بلغوا صفراء بدر الصغرى، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فأمعن عائدًا إلى مكة مرعوبًا، ولقي أبو سفيان نُعَيْم بن مسعود الأشجعي وهو يريد المدينة، فقال: يا نُعَيْم، بَلَغَنا أن محمدًا في الأثر، فأخبِره أن أهل مكة قد جمعوا جمعًا كثيرًا من قبائل العرب لقتالكم، وأنهم لقوا أبا سفيان، فلاموه بِكَفِّه عنكم بعد الهزيمة، حتى هموا به فرَدُّوه، فإن رددت عَنّا محمدًا فلك عشر ذَوْد من الإبل إذا رجعت إلى مكة. فسار نُعَيْم فلقي النبي ﷺ في الصفراء، فقال: «ما وراءك يا نُعَيْم؟». فأخبره بقول أبي سفيان، ثم قال: أتاكم الناس. فقال النبي ﷺ: «حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعْمَ الملتجأ ونِعْم الحِرْز». فأنزل الله سبحانه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾