قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت في رجلين من المسلمين، ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قال: لَمّا كانت وقعة أُحُد خاف ناس من المسلمين أن يُدال الكفار عليهم، فقال رجل منهم: أنا آتي فلانًا اليهودي، فأتهَوَّد، فإني أخشى أن يدال الكفار علينا. قال الآخر: أما أنا فإنِّي آتي الشامَ فأتَنَصَّر. فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ﴾ يعني: من المؤمنين ﴿فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ يعني: يلحق بهم ويكون معهم؛ لأنّ المؤمنين لا يَتَوَلَّون الكفار، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَتَرى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾، يعني: دولة اليهود على المسلمين، وذلك أن نفرًا من المنافقين؛ أربعة وثمانين رجلًا، منهم عبد الله بن أبي، وأبو نافع، وأبو لبابة، قالوا: نتَّخذ عند اليهود عهدًا، ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنّا لا ندري ما يكون في غدٍ، ونخشى ألّا يُنصَر محمد ﷺ، فينقطع الذي بيننا وبينهم، ولا نصيب منهم قرضًا ولا مِيرَةً. فأنزل الله عز وجل: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَتَرى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك، فهم المنافقون، ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ يعني: في ولاية اليهود بالمدينة، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ يعني: دولة اليهود على المسلمين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ يعني: بنصر محمد ﷺ الذي يئسوا منه، ﴿أوْ﴾ يأتي ﴿أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ قتل قريظة، وجلاء النَّضِير إلى أذرعات، فلما رأى المنافقون ما لَقِي أهل قريظة والنَّضِير ندموا على قولهم، قال: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا فِي أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعضهم لبعض: ﴿أهؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ يعني: المنافقين ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ إذ حلفوا بالله عز وجل فهو جهد اليمين ﴿إنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ على دينكم، يعني: المنافقين، ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ يعني: بطلت أعمالهم؛ لأنّها كانت في غير الله عز وجل، ﴿فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ في الدنيا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ وذلك حين هُزموا يوم أحد، شكَّ أُناسٌ من المسلمين، فقالوا ما قالوا، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ فارتدَّ بعد وفاة رسول الله ﷺ بنو تميم، وبنو حنيفة، وبنو أسد، وغطفان، وأناس من كِنْدة منهم الأشعث بن قيس، فجاء الله عز وجل بخير من الذين ارتَدُّوا: بوَهْب بطن من كندة، وبأحْمَس بَجِيلة، وحضرموت، وطائفة من حِمْيَر، وهمدان، أبدلهم مكان الكافرين
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ بالرحمة واللين، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ يعني: عليهم بالغلظة والشدة، فسدَّد الله عز وجل بهم الدين