قال مقاتل بن سليمان: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ فهذا النهي للتحريم، كما قال سبحانه: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ﴾ [الحج:٣٠] فإنّه حرام، كذلك فاجتنبوا الخمر فإنّها حرام، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يعني: لكي
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ يعني: أن يُغْرِي بينكم العداوة، ﴿والبَغْضاءَ﴾ الذي كان بين سعد وبين الأنصاري حتى كسر أنف سعد، ﴿فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ ورث ذلك العداوة والبغضاء، ﴿و﴾يريد الشيطان أن ﴿يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله عز وجل، ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾ يقول: إذا سكرتم لم تصلوا، ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فهذا وعيد بعد النهي والتحريم، قالوا: انتهينا، يا ربَّنا. فقال النبي ﷺ: «يا أيها الذين آمنوا، إنّ الله حرَّم عليكم الخمرَ، فمَن كان عنده منها شيءٌ فلا يشربها، ولا يبيعها، ولا يسقيها غيره». قال: وقال أنس بن مالك: لقد نزل تحريم الخمر وما بالمدينة يومئذ خمر، إنما كانوا يشربون الفضيخ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرسول﴾ في تحريم الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، إلى آخر الآية، ﴿واحْذَرُوا﴾ معاصيهما، ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يعني: أعرضتم عن طاعتهما؛ ﴿فاعْلَمُوا أنَّما على رسولنا﴾ محمد ﷺ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾ في تحريم ذلك
قال مقاتل بن سليمان:... لَمّا نزلت هذه الآيةُ في تحريم الخمر قال حُيَيُّ بن أخطب، وأبو ياسر، وكعب بن الأشرف للمسلمين: فما حالُ مَن مات منكم وهم يشربون الخمر؟ فذكروا ذلك للنبي ﷺ، وقالوا: إنّ إخواننا ماتوا وقُتلوا وقد كانوا يشربونها. فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ يعني حرج فِيما طَعِمُوا﴾الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ يعني: حرج ﴿فِيما طَعِمُوا﴾ يعني: شربوا من الخمر قبل التحريم ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ المعاصي، ﴿وآمَنُوا﴾ بالتوحيد، ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يعني: أقاموا الفرائض قبل التحريم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ المعاصي، ﴿وآمَنُوا﴾ بما يجيء من الناسخ والمنسوخ، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ المعاصي بعد تحريمها، ﴿وآمَنُوا﴾ يعني: وصدَّقوا، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الشرك، ﴿وأَحْسَنُوا﴾ العمل بعد تحريمها، فمَن فعل ذلك فهو محسن، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾. فقال النبي ﷺ للذي سأله: «قيل لي: إنّك من المحسنين»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يعني: ببعض الصيد، فخصَّ صيد البر خاصَّةً، ولم يَعُمَّ الصيدَ كُلَّه؛ لأنّ للبحر صيدًا ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾ يقول: تأخذون صغار الصيد بأيديكم أخذًا بغير سلاح، ثم قال سبحانه: ﴿ورِماحُكُمْ﴾ يعني: وسلاحكم النبل والرماح، بها يصيبون كبار الصيد، وهو عام حُبِس النبي ﷺ عن مكة عامَ الحديبية، وأقام بالتَّنعيم، فصالحهم على أن يرجع عامَه ذلك ولا يدخل مكة، فإذا كان العام المقبل أخْلَوْا لَهُ مكة، فدخلها فِي أصحابه رضي الله عنهم، وأقام بها ثلاثًا، ورضي النبي ﷺ بذلك، فنَحَر البُدْنَ مائة بدنة، فجاءت السباع والطير تأكل منها، فنهى الله عز وجل عن قتل الصيد فِي الحرم؛ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ لكي يرى الله ﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ يقول: مَن يخاف الله عز وجل ولم يَرَهُ فلم يتناول الصيد وهو مُحْرِم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وذلك أنّ أبا بشر -واسمه: عمرو بن مالك الأنصاري- كان مُحْرِمًا في عام الحديبية بعُمْرَةٍ، فقتلَ حمارَ وحْشٍ؛ فنزلت فيه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَجَزاءٌ﴾ يعني: جزاء الصيد ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يعني: من الأزواج الثمانية إن كان قتل عمدًا، أو خطأً، أو أشار إلى الصيد فأصيب؛ فعليه الجزاء