قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ يعني: إلى يوم القيامة ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لقوله: ﴿لَئِن آتانا الله﴾ يعني: أعطاني الله، لَأَصَّدَّقَنَّ ولأَفْعَلَنَّ. ثم لم يفعل
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ﴾ يعني: الذي أجمعوا عليه مِن قتل النبيِّ ﷺ، ﴿وأَنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أمَر الناسَ بالصدقة وهو يريد غَزاة تبوك، وهي غَزاة العسرة، فجاء عبدُ الرحمن بن عوف الزُّهْرِيُّ بأربعة آلاف درهم، كلُّ دِرهم مِثقال، فقال النبيُّ ﷺ: «أكْثَرْتَ، يا عبد الرحمن بن عوف، هل تَرَكْتَ لأهلك شيئًا؟». قال: يا رسول الله، مالي ثمانيةُ آلاف، أمّا أربعة آلاف فأَقْرَضتُها ربي، وأما أربعةُ آلافٍ الأُخْرى فأَمْسَكْتُها لنفسي. فقال له النبيُّ ﷺ: «بارَكَ اللهُ لك فيما أعْطَيْتَ، وفيما أمْسَكْتَ». فبارك اللهُ في مال عبد الرحمن حتى إنّه يوم مات بلغ ثُمُنُ مالِه لامرأتيه ثمانين ومائة ألف، لِكُلِّ امرأة تسعون ألفًا، وجاء عاصِمُ بنُ عَدِيٍّ الأنصاريُّ مِن بني عمرو بن عوف بسبعين وسقًا مِن تمر، وهو حِمْلُ بعير، فنَثَرَه في الصدقة، واعتذر إلى النبيِّ ﷺ مِن قِلَّته، وجاء أبو عقيل بن قيس الأنصاري مِن بني عمرو بصاع فنثره في الصدقة، فقال: يا نبيَّ الله، بِتُّ ليلتي أعمل في النخل أجُرُّ بالجرير على صاعين، فصاعٌ أقرضته ربي، وصاعٌ تركته لأهلي، فأحببتُ أن يكون لي نَصِيبٌ في الصدقة. ونَفَرٌ مِن المنافقين جُلُوس، فمَن جاء بشيءٍ كثير قالوا: مُراءٍ. ومَن جاء بقليل قالوا: كان هذا أفقرَ إلى ماله. وقالوا لعبد الرحمن وعاصم: ما أنفقتم إلا رياءً وسمعة. وقالوا لأبي عقيل: لقد كان الله ورسولُه غَنِيَّيْنِ عن صاع أبي عقيل. فسَخِروا وضَحِكُوا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ يعني: يَطْعَنُون، يعني: مُعَتِّب بن قيس، وحكيم بن زيد ﴿المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ يعني: عبد الرحمن بن عوف، وعاصم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني: أبا عقيل ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ يعني: من المؤمنين، ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ يعني: سخر الله من المنافقين في الآخرة، ﴿ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يعني: وجِيع. نظيرُها: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ [هود:٣٨]، يعني: سخر الله مِن المنافقين
قال مقاتل بن سليمان: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يعني: المنافقين ﴿أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قال عمر بن الخطاب: لا تستغفر لهم بعد ما نهاك الله عنه. فقال النبيُّ ﷺ: «يا عمرُ، أفلا أستغفر لهم إحدى وسبعين مرة!». فأنزل الله عز وجل: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ من شدة غضبه عليهم، فصارت الآية التي في براءة منسوخة، نسختها التي في المنافقين [٦]: ﴿أسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ عن غزاة تبوك ﴿خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وهم بِضْعٌ وثمانون رجلًا، منهم مَنِ اعْتَلَّ بالعُسْرة وبغير ذلك
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالُوا﴾ بعضهم لبعض: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ﴾ مع محمد ﷺ إلى غزاة تبوك، في سبعةِ نفرٍ؛ أبو لبابة وأصحابه، قالوا: بأنّ الحر شديدٌ، والسفرَ بعيد