قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ بعث عُبَيْدة بن الحارِث بن عبد المطَّلِب على سَرِيَّة في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين، على رأس ستة عشر شهرًا بعد قدوم النبي ﷺ المدينة، فلَمّا ودَّع رسولَ الله ﷺ فاضت عيناه، ووَجِدَ مِن فِراق النبي ﷺ بعد أن عَقَدَ له اللِّواء، فلَمّا رَأى النبيُّ ﷺ وجْدَه بَعَثَ مكانه عبد الله بن جَحْشٍ الأَسَديّ -من بني غَنْم بن دُودان، وأُمُّه عَمَّة النبي ﷺ أُمَيْمَةُ بنت عبد المطَّلِب، وهو حليفٌ لبني عبد شمس-، وكتب له كتابًا، وأمره أن يَتَوَجَّهَ قِبَل مكة، ولا يقرأ الكتابَ حتّى يسيرَ ليلتين، فلَمّا سار عبدُ الله ليلتين قرأ الكتاب، فإذا فيه: «سِرْ باسم الله إلى بَطْنِ نَخْلَة على اسم الله وبركته، ولا تُكْرِهَن أحدًا من أصحابك على السَّيْر، وامضِ لأمري ومَنِ اتَّبَعَك منهم، فتَرَصَّد بها عِير قريش». فلَمّا قرأ الكتابَ اسْتَرْجَعَ عبدُ الله، وأَتْبَع اسْتِرْجاعَه بسمعٍ وطاعةٍ لله عز وجل، ولرسوله ﷺ، ثُمَّ قال عبد الله لأصحابه: مَن أحَبَّ منكم أن يسير معي فلْيَسِرْ، ومَن أحَبَّ أن يرجع فلْيَرْجِع. وهم ثمانية رهط من المهاجرين: عبد الله بن جحش الأَسَديّ، وسعد بن أبي وقّاص الزُّهْرِيّ، وعُتْبَة بن غَزْوان المُزَني حليف لقريش، وأبي حُذَيْفة ابن عُتْبَة بن ربيعة بن عبد شمس، وسهل بن بيضاء القُرَشِيّ، ويُقال: سهل من بني الحارِث بن فهد، وعامر بن رَبِيعَة القُرَشِيّ من بني عَدِيّ بن كَعْب، وواقِد بن عبد الله التَّميْميّ. فرجع من القوم سعدُ بن أبي وقّاص، وعُتْبَة بن غَزْوان، وسار عبد الله ومعه خمسة نفر، وهو سادسُهم، فلَمّا قَدِموا لبَطْنِ نَخْلَةَ بين مكة والطائف حملوا على أهل العِير، فقتلوا عمرو بن الحَضْرَمِيِّ القُرَشِيَّ، قتله واقِدُ بن عبد الله التَّميْميّ، رماه بسهم، فكان أول قتيل في الإسلام من المشركين، وأسروا عثمان بن عبد الله بن المُغِيرَة، والحَكَم بن كَيْسان مَوْلى هشام بن المُغِيرَة المَخْزُومِيّ، فغَدَيا بعد ذلك في المدينة، وأَفْلَتَهم نوفلُ بن عبد الله بن المغيرة المَخْزُومِيّ على فرس له جواد أنثى، فقَدِم مكةَ من الغد، وأخبر الخبر مشركي مكة، وكَرِهوا الطَّلَب؛ لأنّه أول يوم من رجب، وسار المسلمون بالأُسارى والغنيمة حتى قدِموا المدينة، فقالوا: يا نبي الله، أصَبْنا القومَ نهارًا، فلَمّا أمْسَيْنا رأينا هلال رجب، فما ندري أصبناهم في رجب أو في آخر يوم من جمادى الآخرة. وأَقْبَل مُشْرِكو مكة على مُسْلِمِيهم، فقالوا: يا مَعْشَر الصُّباة، ألا ترون أنّ إخوانكم اسْتَحَلُّوا القتال في الشهر الحرام، وأخذوا أُسارانا وأموالنا، وأنتم تزعمون أنّكم على دين الله، أفَوَجدتُم هذا في دين الله حيثُ أمِن الخائفُ، ورُبِطَتِ الخيلُ، ووُضِعَتِ الأَسِنَّةُ، وبدأ الناس لِمعاشهم؟! فقال المسلمون: الله ورسوله أعلم. وكتب مسلمو مكة إلى عبد الله بن جحش: أنّ المشركين عابُونا في القتال وأَخْذِ الأسرى والأموال فِي الشهر الحرام، فاسألْ رسول الله ﷺ: ألَنا في ذلك مُتَكَلَّمٌ، أو أنزل الله بذلك قرآنًا؟ فدفع عبدُ الله بنُ جَحْشٍ الأَسَديُّ الكتاب إلى النبي ﷺ؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾، ... فكتب عبدُ الله بنُ جحش إلى مسلمي أهل مكة بهذه الآية، وكتب إليهم: إنْ عَيَّروكم فعَيِّرُوهم بما صنعوا.... فكانت هذه أوَّل سرية، وأوَّل غنيمة، وأوَّل خُمُس، وأوَّل قتيل، وأوَّل أسْر كان في الإسلام. فأمّا نَوْفَلُ بن عبد الله الذي أفْلَتَ يومئذ فإنّه يوم الخندق ضرب بَطْنَ فرسه ليدخل الخندق على المسلمين في غزوة الأحزاب، فوقع في الخندق، فتَحَطَّم هو وفرسُه، فقتله الله تعالى، وطَلَب المشركون جِيفَتَه بثَمَنٍ، فقال ﷺ: «خُذُوه؛ فإنّه خبيثُ الجِيفَةِ، خبيثُ الدِّيَة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: دين الإسلام، ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أي: وكفرٌ بالله، ﴿وصد عن المَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ من عند المسجد الحرام، فذلك صَدُّهم، وذلك أنّهم أخْرَجُوا النبي ﷺ وأصحابَه من مكة ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فهذا أكبر عند الله مِن القتل، والأَسْر، وأَخْذِ الأموال
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ أخبر عز وجل عن رأيِ مشركي العرب في المسلمين، فقال سبحانه: ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يعني: مشركي مكة ﴿حَتّى يَرُدُّوكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿عَنْ دِينِكُمْ﴾ الإسلام ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ خَوَّفهم، فقال: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الإسلام، يقول: ومَن ينقلب كافرًا بعد إيمانه ﴿فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ يعني: بَطَلَت ﴿أعْمالُهُمْ﴾ الخبيثة؛ فلا ثواب لهم في الدنيا ولا في الآخرة، ﴿وأُولئِكَ أصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ يعني: لا يموتون
قال مقاتل بن سليمان: قال عبد الله بن جحش وأصحابه: أصبنا القومَ في رجب، فنرجو أن يكون لنا أجرُ المجاهدين في سبيل الله. فأنزل الله عز وجل: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿الذين آمنوا والذين هاجروا﴾ إلى المدينة ﴿وجاهَدُوا﴾ المشركين ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ يعني: جنة الله. نظيرها في آل عمران [١٠٧] قوله سبحانه: ﴿وأَمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ يعني: ففي جَنَّة الله؛ لقولهم للنبي ﷺ: هَل لنا أجرُ المجاهدين في سبيل الله؟ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ لاستحلالهم القتلَ والأسرَ والأموالَ في الشهر الحرام
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾، يعني: القِمار. نزلت في عبد الرحمن بن عَوْف، وعمر بن الخطّاب، وعلي بن أبي طالب، ونفرٍ من الأَنْصار رضي الله عنهم، وذلك أنّ الرجل كان يقول في الجاهِلِيَّة: أين أصحاب الجَزُور؟ فيقوم نفرٌ فيشترون الجَزُور، فيجعلون لكلِّ رجل منهم [سهمًا]، ثُمَّ يُقْرِعون، فمَن خرج سهمُه يبرأُ من الثمن، حتّى يبقى آخرهم رَجُلًا؛ فيكون ثمن الجَزُور كله عليه وحده، ولا حقَّ له في الجَزُور، ويَقْتَسِم الجَزور بقيتُهم بينهم، فذلك المَيْسِر