قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ وذلك أنّ أبا جهل بن هشام حلف: لَئِن رأى النبيَّ ﷺ ليدمَغنَّه. فأتاه أبو جهل وهو يصلي، ومعه الحَجر، فرفع الحَجر ليدمغ النبيَّ ﷺ، فيَبِسَتْ يدُه، والتصق الحجرُ بيده، فلما رجع إلى أصحابه خلَّصوا يده، فسألوه، فأخبرهم بأمر الحجر، فقال رجل آخر من بني المغيرة المخزومي: أنا أقتله. فأخذ الحجر، فلما دنا مِن النبي ﷺ طمس الله عز وجل على بصره، فلم يرَ النبيَّ ﷺ، وسمع قراءته، فرجع إلى أصحابه، فلم يُبْصِرهم حتى نادوه، فذلك قوله عز وجل: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه، فسألوه: ما صنعتَ؟ فقال: لقد سمعتُ قراءتَه وما رأيتُه. فأنزل الله عز وجل في أبي جهل: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾. وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابه، وكان معهم الوليد بن المغيرة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا جَعَلْنا فِي أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهِيَ إلى الأَذْقانِ﴾ يعني بالأذقان: الحنَك فوق الغَلْصَمَة، يقول: رددنا أيديهم في أعناقهم، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ يعني: أن يجمع يديه إلى عنقه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ حين لم يروا النبيَّ ﷺ، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ حين لم يرَ أصحابَه [يعني: أبا جهل]، وأنزل الله عز وجل في الرجل الآخر: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ يعني: ظُلمة، فلم ير النبي ﷺ، ﴿ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلم ير أصحابَه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ يا محمد، ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن بأنّه مِن الله عز وجل، فلم يؤمن أحدٌ مِن أولئك الرهط مِن بني مخزوم، ثم نزل في أبي جهل: ﴿أرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق:٩-١٠]
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال -جلَّ وعزَّ-: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ القرآن وخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾ وخشي عذاب الرحمن ﴿بِالغَيْبِ﴾ ولم يره، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبهم، ﴿وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وجزاء حسنًا في الجنة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى﴾ في الآخرة، ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ في الدنيا في حياتهم مِن خير أو شرٍّ عملوه، ﴿وآثارَهُمْ﴾ ما استنُّوه من سُنَّة؛ خير أو شر، فاقتُدي به من بعد موتهم، وإن كان خيرًا فله مِثل أجر مَن عمل به، ولا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان شرًّا فعليه مثل وِزر مَن عمل به، ولا ينقص من أوزارهم شيء، فذلك قوله عز وجل: ﴿يُنَبَّؤُا الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣]