محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١١ من سورة يس في ٩٧ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٣ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١١ من سورة يس

٩٧ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : إنّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتّبَعَ الذّكْرَ يقول تعالى ذكره : إنما ينفع إنذارك يا محمد من آمن بالقران، واتبع ما فيه من أحكام الله وَخَشِيَ الرّحْمَنَ يقول : وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين، لا المنافق الذي يستخفّ بدين الله إذا خلا، ويظهر الإيمان في الملأ، ولا المشرك الذي قد طبع الله على قلبه. وقوله : فَبشّرْهُ بِمغْفِرَةٍ يقول : فبشر يا محمد هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب بمغفرة من الله لذنوبه وأجْرٍ كَرِيم يقول : وثواب منه له في الآخرة كريم، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتّبَعَ الذّكْرَ واتباع الذكر : اتباع القرآن.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يُبْصِرُونَ) قال: فكانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أين هو، أين هو؟ لا يبصره. وقد رُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: (فَأَعْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) بالعين بمعنى: أعشيناهم عنه، وذلك أن العَشَا هو أن يمشي بالليل ولا يبصر.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾
يقول تعالى ذكره: وسواء يا محمد على هؤلاء الذين حق عليهم القول، أي الأمرين كان منك إليهم؛ الإنذار، أو ترك الإنذار، فإنهم لا يؤمنون؛ لأن الله قد حكم عليهم بذلك. وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) يقول تعالى ذكره: إنما ينفع إنذارك يا محمد من آمن بالقرآن، واتبع ما فيه من أحكام الله (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ) يقول: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناظرين، لا المنافق الذي يستخف بدين الله إذا خلا ويظهر الإيمان في الملأ ولا المشرك الذي قد طبع الله على قلبه. وقوله (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ) يقول: فبشر يا محمد هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب بمغفرة من الله لذنوبه (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) يقول: وثواب منه له في الآخرة كريم، وذلك أن يعطيه على عمله ذلك الجنة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) واتباع الذكر: اتباع القرآن.

القول في تأويل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ يَعْنِي بِهِمُ الْعَرَبَ، فَإِنَّهُ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِهِ، وَذِكْرُهُمْ وَحْدَهُمْ لا ينفي من عداهم، كَمَا أَنَّ ذِكْرَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يَنْفِي الْعُمُومَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ في عموم بعثته ﷺ عِنْدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨]. وقوله تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: لَقَدْ وَجَبَ الْعَذَابُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ بِأَنَّ الله تعالى قَدْ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا يصدقون رسله.

[سورة يس (٣٦) : الآيات ٨ الى ١٢]

إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّا جَعَلَنَا هَؤُلَاءِ الْمَحْتُومَ عَلَيْهِمْ بِالشَّقَاءِ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْوُصُولِ إِلَى الْهُدَى كَنِسْبَةِ مَنْ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ غِلٌّ، فَجَمَعَ يَدَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ تَحْتَ ذَقَنِهِ، فَارْتَفَعَ رَأْسُهُ فَصَارَ مُقْمَحًا، وَلِهَذَا قَالَ تعالى: فَهُمْ مُقْمَحُونَ وَالْمُقْمَحُ هُوَ الرَّافِعُ رَأْسَهُ، كَمَا قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ فِي كَلَامِهَا: وَأَشْرَبُ فَأَتَقَمَّحُ «١»، أَيْ أَشْرَبُ فَأُرْوَى، وَأَرْفَعُ رَأْسِي تَهْنِيئًا وَتَرَوِّيًا، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْغِلِّ فِي الْعُنُقِ عَنْ ذِكْرِ الْيَدَيْنِ وَإِنْ كَانَتَا مُرَادَتَيْنِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ [الوافر] :
فما أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًاأُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي «٢»
أَالْخَيْرُ الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيهِأَمِ الشَّرُّ الَّذِي لَا يَأْتَلِينِي؟
فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْخَيْرِ عن الشر، لما دل الكلام والسياق عليه، وهكذا هَذَا لَمَّا كَانَ الْغُلُّ إِنَّمَا يُعْرَفُ فِيمَا جَمَعَ الْيَدَيْنِ مَعَ الْعُنُقِ، اكْتَفَى بِذِكْرِ الْعُنُقِ عَنِ الْيَدَيْنِ. قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال: هو كقوله عز وجل: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [الْإِسْرَاءِ: ٢٩] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ مُوثَقَةٌ إِلَى أَعْنَاقِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَبْسُطُوهَا بِخَيْرٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فَهُمْ مُقْمَحُونَ قال: رافعي رؤوسهم، وَأَيْدِيهِمْ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، فَهُمْ مَغْلُولُونَ عَنْ كل خير.
وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا قَالَ مُجَاهِدٌ: عَنِ الْحَقِّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا قَالَ مُجَاهِدٌ: عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الضلالات.
(١) أخرجه البخاري في النكاح باب ٨٢، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٩٢.
(٢) البيتان للمثقب العبدي في ديوانه ص ٢١٢، وخزانة الأدب ١١/ ٨٠، وشرح اختيارات المفضل ص ١٢٦٧، وشرح شواهد المغني ١/ ١٩١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ١٤٥، وخزانة الأدب ٦/ ٣٧، وشرح المفصل ٩/ ١٣٨.
وقوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ أَيْ أَغْشَيْنَا أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ أَيْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِخَيْرٍ وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» : وَرُوِيَ عَنِ ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ «فَأَعْشَيْنَاهُمْ» بِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ مِنَ الْعَشَا، وَهُوَ دَاءٌ فِي الْعَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: جَعَلَ اللَّهُ تعالى هَذَا السَّدَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، فَهُمْ لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ، وَقَرَأَ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُسَ: ٩٦- ٩٧] ثُمَّ قَالَ: من منعه الله تعالى لَا يَسْتَطِيعُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ:
لَئِنْ رَأَيْتَ مُحَمَّدًا لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ، فَأُنْزِلَتْ إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا- إِلَى قَوْلِهِ- فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: أَيْنَ هُوَ أَيْنَ هُوَ؟ لَا يُبْصِرُهُ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَهُمْ جُلُوسٌ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ كُنْتُمْ مُلُوكًا فَإِذَا مُتُّمْ بُعِثْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ، وَكَانَتْ لَكُمْ جِنَانٌ خَيْرٌ مِنْ جِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَأَنَّكُمْ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ كَانَ لَكُمْ مِنْهُ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَكَانَتْ لَكُمْ نَارٌ تُعَذَّبُونَ بِهَا. وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ وَفِي يَدِهِ حَفْنَةٌ من تراب، وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم وَيَقْرَأُ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ- حَتَّى انْتَهَى إِلَى قوله تعالى- وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ، وَبَاتُوا رصدا عَلَى بَابِهِ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ خَارِجٌ مِنَ الدَّارِ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: نَنْتَظِرُ مُحَمَّدًا، قَالَ: قَدْ خَرَجَ عَلَيْكُمْ فَمَا بقي منكم من رجل إلا وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، فَجَعَلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَنْفُضُ مَا عَلَى رَأْسِهِ مِنَ التُّرَابِ. قَالَ: وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ: «وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ إِنَّ لَهُمْ مِنِّي لذبحا وإنه أحدهم».
وقوله تبارك وتعالى: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أي فقد خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلَالَةِ فَمَا يُفِيدُ فِيهِمُ الْإِنْذَارُ وَلَا يَتَأَثَّرُونَ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهَا في أول سورة البقرة، وكما قال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [يُونُسَ: ٩٦- ٩٧] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أَيْ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِإِنْذَارِكَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الذِّكْرَ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ أَيْ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ تبارك وتعالى يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَعَالَمٌ بِمَا يفعل فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ أَيْ لِذُنُوبِهِ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أَيْ كثير واسع حسن جميل، كما قال تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك: ١٢] ثم قال عز وجل: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى أي
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٨.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي قَلْبَ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْكُفَّارِ، الَّذِينَ قَدْ مَاتَتْ قُلُوبُهُمْ بِالضَّلَالَةِ فَيَهْدِيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: ١٧].
وقوله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا أَيْ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَفِي قوله تعالى: وَآثارَهُمْ قَوْلَانِ:
[أَحَدُهُمَا] نَكْتُبُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي بَاشَرُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَآثَارَهَمُ الَّتِي أَثَرُوهَا مِنْ بَعْدِهِمْ فَنَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بعده من غير أن ينقص من أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا» «١» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَفِيهِ قِصَّةُ مُجْتَابَى النَّمَارِ الْمُضَرِيَّيْنِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي الْمُحَيَّاةِ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عبد الله رضي الله عنه فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ فَذَكَرَهُ.
وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: مِنْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ بَعْدِهِ» «٢»، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
سمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ قَالَ:
مَا أَوْرَثُوا مِنَ الضَّلَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ يَعْنِي مَا أَثَرُوا، يَقُولُ: مَا سَنُّوا مِنْ سُنَّةٍ فَعَمِلَ بِهَا قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيرا فلهم مِثْلُ أُجُورِهِمْ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ مَنْ عمل به شيئا، وإن كانت شرا فعليهم مَثَلُ أَوْزَارِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عمل بها شَيْئًا، ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ الْبَغَوِيِّ.
[وَالْقَوْلُ الثَّانِي] أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ آثَارُ خُطَاهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا قَدَّمُوا أَعْمَالُهُمْ وَآثارَهُمْ قَالَ: خُطَاهُمْ بِأَرْجُلِهِمْ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَآثارَهُمْ يَعْنِي خُطَاهُمْ. وقال قتادة: لو كان الله عز وجل مُغْفِلًا شَيْئًا مِنْ شَأْنِكَ يَا ابْنَ آدَمَ أَغْفَلَ مَا تُعْفِي الرِّيَاحُ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ، وَلَكِنْ أَحْصَى عَلَى ابْنِ آدَمَ أَثَرَهُ وَعَمَلَهُ كُلَّهُ حَتَّى أَحْصَى هَذَا الْأَثَرَ فِيمَا هُوَ من طاعة الله تعالى أَوْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يكتب أثره
(١) أخرجه مسلم في الزكاة حديث ٧٠.
(٢) أخرجه مسلم في الوصية حديث ١٤.
في طاعة الله تعالى فَلْيَفْعَلْ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ:
[الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نضرة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال لَهُمْ: «إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قد أردنا ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «يَا بَنِي سَلَمَةَ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ»، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «٢» مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ وَكَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي نَضْرَةَ وَاسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قطعة العبدي، عن جابر رضي عنه به.
[الْحَدِيثُ الثَّانِي] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ بَنُو سَلَمَةَ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ المسجد، فنزلت إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ آثَارَكُمْ تكتب» فلم ينتقلوا، تفرد بإخراجه الترمذي «٣» عند تفسيره هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَزِيرِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ خَالِدٍ الرَّقِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ طَرِيفٍ- وَهُوَ ابْنُ شِهَابٍ أَبُو سُفْيَانَ السَّعْدِيُّ- عَنْ أَبِي نَضْرَةَ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ السَّاجِي، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ بَنِي سَلَمَةَ شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعْدَ مَنَازِلِهِمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فأقاموا في مكانهم. وحدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ مِنْ حَيْثُ ذِكْرِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالسُّورَةُ بِكَمَالِهَا مَكِّيَّةٌ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحَدِيثُ الثَّالِثُ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٤» : حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَتْ مَنَازِلُ الْأَنْصَارِ مُتَبَاعِدَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَتْ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ فَقَالُوا: نَثْبُتُ مَكَانَنَا، هَكَذَا رَوَاهُ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ
(١) المسند ٣/ ٣٣٢، ٣٣٣.
(٢) كتاب المساجد حديث ٢٨٠.
(٣) كتاب التفسير، تفسير سورة ٣٦، باب ١.
(٤) تفسير الطبري ١٠/ ٤٢٩. [.....]

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
والقسم الثاني : الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله :﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي : إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [ أي :] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي : من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية اللّه تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ١٢} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.
هذا قسم من الله تعالى بالقرآن الحكيم، الذي وصفه الحكمة، وهي وضع كل شيء موضعه، وضع الأمر والنهي في الموضع (١) اللائق بهما، ووضع الجزاء بالخير والشر في محلهما اللائق بهما، فأحكامه الشرعية والجزائية كلها مشتملة على غاية الحكمة.
ومن حكمة هذا القرآن، أنه يجمع بين ذكر الحكم وحكمته، فينبه العقول على المناسبات والأوصاف المقتضية لترتيب الحكم عليها.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا المقسم عليه، وهو رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنك من جملة المرسلين، فلست ببدع من الرسل، وأيضا فجئت بما جاء به الرسل من الأصول الدينية، وأيضا فمن تأمل أحوال (٢) المرسلين وأوصافهم، وعرف الفرق بينهم وبين غيرهم، عرف أنك من خيار المرسلين، بما فيك من الصفات الكاملة، والأخلاق الفاضلة.
ولا يخفى ما بين المقسم به، وهو القرآن الحكيم، وبين المقسم عليه، [وهو] رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من الاتصال، وأنه لو لم يكن لرسالته دليل ولا شاهد إلا هذا القرآن الحكيم، لكفى به دليلا وشاهدا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، بل القرآن العظيم أقوى الأدلة المتصلة المستمرة على رسالة الرسول، فأدلة القرآن كلها أدلة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم أخبر بأعظم أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، الدالة على رسالته، وهو أنه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ معتدل، موصل إلى الله وإلى دار كرامته، وذلك الصراط المستقيم، مشتمل على أعمال، وهي الأعمال الصالحة، المصلحة للقلب والبدن، والدنيا والآخرة، والأخلاق الفاضلة، المزكية للنفس، المطهرة للقلب، المنمية للأجر، فهذا الصراط المستقيم، الذي هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف دينه الذي جاء به، فتأمل جلالة هذا القرآن الكريم، كيف جمع بين القسم بأشرف الأقسام، على أجل مقسم عليه، وخبر الله وحده كاف، ولكنه تعالى أقام من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة في هذا الموضع على صحة ما أقسم عليه، من رسالة رسوله ما نبهنا عليه، وأشرنا إشارة لطيفة لسلوك طريقه، وهذا الصراط المستقيم ﴿تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فهو الذي أنزل به كتابه، وأنزله طريقا لعباده، موصلا لهم إليه، فحماه بعزته عن التغيير والتبديل، ورحم به عباده رحمة اتصلت بهم، حتى أوصلتهم إلى دار رحمته، ولهذا ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين: العزيز. الرحيم.
فلما أقسم تعالى على رسالته وأقام الأدلة عليها، ذكر شدة الحاجة إليها واقتضاء الضرورة لها فقال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وهم العرب الأميون، الذين لم يزالوا خالين -[٦٩٣]- من الكتب، عادمين الرسل، قد عمتهم الجهالة، وغمرتهم الضلالة، وأضحكوا عليهم وعلى سفههم عقول العالمين، فأرسل الله إليهم رسولا من أنفسهم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، فينذر العرب الأميين، ومن لحق بهم من كل أمي، ويذكر أهل الكتب بما عندهم من الكتب، فنعمة الله به على العرب خصوصا، وعلى غيرهم عموما. ولكن هؤلاء الذين بعثت فيهم لإنذارهم بعدما أنذرتهم، انقسموا قسمين: قسم رد لما جئت به، ولم يقبل النذارة، وهم الذين قال الله فيهم ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نفذ فيهم القضاء والمشيئة، أنهم لا يزالون في كفرهم وشركهم، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه، فحينئذ عوقبوا بالطبع على قلوبهم.
وذكر الموانع من وصول الإيمان لقلوبهم، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا﴾ وهي جمع "غل" و "الغل" ما يغل به العنق، فهو للعنق بمنزلة القيد للرجل، وهذه الأغلال التي في الأعناق (٣) عظيمة قد وصلت إلى أذقانهم ورفعت رءوسهم إلى فوق، ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ أي: رافعو رءوسهم من شدة الغل الذي في أعناقهم، فلا يستطيعون أن يخفضوها.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ أي: حاجزا يحجزهم عن الإيمان، ﴿فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ قد غمرهم الجهل والشقاء من جميع جوانبهم، فلم تفد فيهم النذارة. ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وكيف يؤمن من طبع على قلبه، ورأى الحق باطلا والباطل حقا؟!
والقسم الثاني: الذين قبلوا النذارة، وقد ذكرهم بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنما تنفع نذارتك، ويتعظ بنصحك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [أي:] من قصده اتباع الحق وما ذكر به، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: من اتصف بهذين الأمرين، القصد الحسن في طلب الحق، وخشية الله تعالى، فهم الذين ينتفعون برسالتك، ويزكون بتعليمك، وهذا الذي وفق لهذين الأمرين ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لأعماله الصالحة، ونيته الحسنة.
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى﴾ أي: نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ من الخير والشر، وهو أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر.
ولهذا: ﴿من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة﴾ وهذا الموضع، يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرما، وأعظمهم إثما.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من الأعمال والنيات وغيرها ﴿أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: كتاب هو أم الكتب وإليه مرجع الكتب، التي تكون بأيدي الملائكة، وهو اللوح المحفوظ.
(١) في ب: في المحل.
(٢) كذا في ب، وفي أ: أصول.
(٣) كذا في ب، وفي أ: الأذقان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٧ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير — ابن باديس تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
بِالْغَيْبِ
عِنْدَمَا يَغِيبُ عَنِ النَّاسِ، لَا يَرَاهُ إِلَّا اللهُ.

إعراب الآية ١١ من سورة يس

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة يس (٣٦) : آية ١٠]

وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠)
وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ قيل: المعنى لا يكترثون بذلك ولا يعبئون به ولا يؤمنون.
قال ابن عباس: فما آمن منهم أحد.

[سورة يس (٣٦) : آية ١١]

إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)
إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أي إنّما ينتفع بالإنذار. قال أبو إسحاق: ومعنى وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ خاف الله جلّ وعزّ من حيث لا يراه أحد إلّا الله عزّ وجلّ.
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ قال الضحاك عن ابن عباس في معنى كريم: أي حسن، وقيل: يراد به الجنة والله جلّ وعزّ أعلم.

[سورة يس (٣٦) : آية ١٢]

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)
الأصل في إِنَّا إنّنا حذفت النون لاجتماع النونات نُحْيِ حذفت منه الضمة لثقلها، ولا يجوز إدغام الياء في الياء هاهنا لئلّا يلتقي ساكنان. وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ أي ذكر ما قدّموا، وأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وتأوله ابن عباس بمعنى خطاهم إلى المساجد. وهو أولى ما قيل فيه لأنه قال: إنّ الآية نزلت في ذلك لأن الأنصار كانت منازلهم بعيدة من المسجد. وفي حديث عمرو بن الحارث عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يكتب له برجل حسنة، ويحطّ عنه برجل سيئة ذاهبا وراجعا إذا خرج إلى المسجد» «١» وتأوّله غير ابن عباس «ونكتب ما قدّموا وآثارهم» يعني نكتب ما قدّموا من خير وما سنّوا من سنة حسنة يعمل بها بعدهم. وواحد الآثار:
أثر، ويقال: إثر. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ منصوب على إضمار فعل، ويجوز رفعه بالابتداء إلّا أنّ نصبه أولى ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل. وهذا قول الخليل وسيبويه رحمهما الله. قال مجاهد: فِي إِمامٍ مُبِينٍ في اللوح المحفوظ.

[سورة يس (٣٦) : آية ١٣]

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ قال أبو إسحاق: أي اذكر لهم مثلا، والضرب هو المثال والجنس، يقال: هذا من ضرب هذا، أي من مثال هذا وجنسه والمعنى: ومثّل لهم مثلا. أَصْحابَ الْقَرْيَةِ بدل من مثل فالمعنى مثل أصحاب القرية. إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ أي جاء أهلها المرسلون.
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه- المساجد ١/ ٢٥٤، والترمذي في سننه ٣/ ٨٣، وأحمد في مسنده ٤/ ١٥٦.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ١١ من سورة يس

١٣ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٣ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٣ أقوال
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ قال: اتباع الذكر: اتباع القرآن، ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ قال: خشي عذابَ الله ونارَه، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ قال: الجنة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٤٠٨ بنحوه مقتصرًا على شطره الأول. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال -جلَّ وعزَّ-: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ القرآن وخَشِيَ الرَّحْمنَ﴾ وخشي عذاب الرحمن ﴿بِالغَيْبِ﴾ ولم يره، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنوبهم، ﴿وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وجزاء حسنًا في الجنة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٥٧٤.
٣
قال يحيى بن سلّام: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ إنما يقبل نذارتك فينتذر، كقوله: فيتعظ، ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن، كقوله: ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ﴾ [فاطر:١٨]. قال: ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ في السِّرِّ، قلبه مخلص بالإيمان، قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ لذنبه، ﴿وأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: وثواب كريم؛ الجنة١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٠٢.
التفسير بالمأثور لسورة يس كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١١ من سورة يس

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • لا تنفع المواعظ ولا يجدي النصح من لم يجعل الكتاب والسنة مصدر التلقي عنده، وخاف الله في قرارة نفسه (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب)

    — سعود الشريم

  • ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْب ... ) ما أجمل أن تذكر ذنوبك في الخلاء، فتستغفر منها ربك وتناجيه في الخفاء !!

    — عايض المطيري

  • { إنما تُنذر من اتبع الذِّكر وخشي الرحمن بالغيب فبشّره بمغفرة وأجر كريم } كلما كانت مسافة الاتباع بينك وبين القرآن قصيرة كلما كانت النُذُر الشرعية والكونية أشد وقعاً وأثرا في نفسك.

    — عبد الله المهيلان

  • ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بالغيب ) بقدر خشيتك من المولى في الخفاء، يكون نصيبك من النعيم في السماء.

    — عايض المطيري

  • {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب} المنتفع حقًا من إنذار الرسول: من اتبع وتأثر وعمل بالقرآن؛ فأثمر ذلك خشية لله.

    — محمد الغرير

  • امتدحهم الله بسرائرهم وخلواتهم فهو وحده المطّلع عليها؛وكل أدرى بنفسه. ﴿وَخَشِيَ الرَّحمن بالغيب فَبَشِّرهُ بِمَغفِرَةٍ﴾

    — مجالس التدبر

  • آيةٌ عظيمة حاكمة على محكات الإيمان الصادقة: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم﴾.

    — عبداللطيف التويجري

  • ﴿وَخَشِيَ الرَّحمنَ بِالغَيبِ ﴾ الخوف من الله في الخلوة يعقبه بشارة بالمغفرة والأجر الكريم.

    — مجالس التدبر

  • (إنما تنذر من اتّبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشّره بمغفرة وأجر كريم) فبقدر خشوع القلب ومراقبة الله يكون تأثير المواعظ.

    — مجالس التدبر

  • "وخشي الرحمن بالغيب" في ذكر الرحمن إشارة إلى أن رحمته لا تقتضي عدم خشيته فالمؤمن يخشى الله مع علمه برحمته.

    — ابن عاشور

  • برنامج لمسات بيانية آية (11): (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) فكرة عامة عن هذه الآية: بالنسبة للذين تقدموا قال (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) يبقى من يستفيد من الإنذار؟ أولئك سواء عليكم. * إذن هنالك طائفتان؟ هنالك (وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (10)) وطائفة أخرى تستفيد من الإنذار قال (إنما تنذر) إنذاراً نافعاً (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) يعني ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار. في هذه الآية ذكر صنفين يستفيدان من هذا الإنذار (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) طائفة من المؤمنين الذين استجابوا هم كانوا مؤمنين تأتي الآية فتزيدهم إيماناً وطائفة من كان له قلب فسمع فيستفيد. إذن هذه عندما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب أن هنالك طائفتان تستفيدان الطائفة المؤمنة الذين هم اتبعوا في الأصل فيزيدهم إيماناً (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا (124) التوبة) فيستفيدوا منها وطائفة أخرى ممن كان له قلب حيّ فيسمع فيستفيد إذن هذه تنفع طائفتين الطائفة المومنة وطائفة أخرى لها قلب فتنتفع بالإنذار يعني قسمين المؤمنين ومن كان حيّ القلب يستمع ويستفيد إذن هو إنذار نافع قسمين من اتبع الذكر يعني كان مؤمناً ومن سيتبع من إذا سمع الإنذار اتّبع. لكن يبقى السؤال هو قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) يقولون هذا ماضي يعني المؤمنين، لا، أحياناً الفعل الماضي يكون للاستقبال مثلاً لما قال (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) البقرة) هو لم يخرج بعد، هل هي فقط للماضي؟ هو للمستقبل و(خرجت) ماضي دل على الاستقبال. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة) هل التوبة بعد الكتمان أو قبله؟ بعد الكتمان، (يكتمون) فعل مضارع وقال (تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) معناها يتوبون لأن هذا واقع بعد يكتمون بعد المضارع فأحياناً الماضي يأتي للمستقبل. * هذه من أساسيات اللغة أيضاً، جرياً على سنن العربية؟ طبعاً. * هل لهذا دلالة معينة؟ هذا للتوكيد أنه تنزّل المستقبل منزلة الماضي مثل أحوال القيامة (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ (99) الكهف) فإذن هو الآن اتبع الذكر تشمل صنفين صنف سيتّبع وصنف اتّبع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) كما ذكرنا الآن من كان له قلب فاتّبع ومن كان له قلب حيّ فيتبع عندما يسمع (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس). *هل الإنذار خاص بالكافرين في القرآن؟(د.فاضل السامرائي) الإنذار في القرآن الكريم لا يكون خاصاً للكفار والمنافقين وقد يأتي الإنذار للمؤمنين والكافرين. والإنذار للمؤمن ليس فيه توعد فهو للمؤمنين تخويف حتى يقوم المؤمن بما ينبغي أن يقوم به كما في قوله تعالى (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ {11} يس) وهذا ليس فيه تخصيص لمؤمن أو كافر. وقد يأتي الإنذار للمؤمنين (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ {214} الشعراء) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {18}فاطر) وقد يكون للناس جميعاً (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ {44} إبراهيم) (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ {51}) . * ربنا تبارك وتعالى قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لماذا اتّبع وليس تبِع؟ افتعل تفيد المبالغة والاجتهاد في الأمر يعني فرق بين صبر واصطبر، جهد واجتهد، اصطبر فيها مبالغة في الصبر (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه) فاتّبع للمبالغة في الإتباع وليس إتباعاً عرضياً وإنما مبالغة في الإتباع ويدلنا على هذا لو قرأنا الاية (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) هل هذا متّبع كيفما كان أو متّبع مجتهد في الإتباع؟ مجتهد. لما قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هل هذه للمتّبع هكذا أو المجتهد؟ للمجتهد. فإذن (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) مناسب لما بعده من الصفات (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) هذا المبشّر بالمغفرة والأجر الكريم هذا مبالغ في الإتّباع وليس هكذا كيفما كان. فهو مناسب. قال سبحانه وتعالى ( وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) خشي الرحمن بالغيب فيها أكثر من معنى يُذكر: من المعاني التي تسبق إلى الذهن أنه خشي الرحمن وإن لم يشاهده كما آمن به بالغيب خشيه بالغيب. * ما معنى الخشية؟ الخوف مع التعظيم. ويكون في الغالب عالِماً بما يخشى. * إنما يخشى الله من عباده العلماء لأنهم يعلمون! كما آمن به سبحانه بالغيب خشيه بالغيب، آمن به ولم يشاهده كذلك خشيه ولم يشاهده وهذا طبعاً من تمام الإيمان لأن الناس عادة يخشون من يشاهدهم ويشاهدونه إذا كانوا يعلمون أن هنالك من يراقب أفعالهم توقفوا عند أمور لا يفعلوها وإن كانوا يحبون أن يفعلوها فإن غاب عن أعينهم ذهبت الخشية. أما هذا فإنه يخشى الرحمن لأنه يعلم أنه حاضر معه (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ (4) الحديد) يراقب أفعالكم وهذا من معاني الخشية، هذا أحد المعاني، أحد الأوجه. من أحد معاني يخشى أنه يخشى عقابه الذي سيكون بالغيب وهو يوم القيامة. * ليست خشية خاصة بذات الله وإنما بعقابه؟ بعقابه، (اتقوا النار) ومرة يقول (اتقون) فهو إذن يخشى عقابه الكائن يوم القيامة وهو غيب يوم القيامة غيب وما يحصل فيه غيب. إذن من معاني هذا التعبير أيضاً أنه يخشاه وهو لم يشاهده وأنه يخشى عقابه وهو غيب يوم القيامة. من معاني أيضاً هذا التعبير أنه يخشى الرحمن إذا غاب عن أعين الناس بمعنى يعني هنالك أناس كثير يفعلون أفعالاً إذا خلوا إلى أنفسهم فإن علموا أن أحداً شاهدهم توقفوا عنه لا يفعلونه، إذا أمن مراقبة الناس فعل لكن هذا الفعل قد لا يفعله أمام الناس. فهذا يخشى الرحمن وإن غاب عن أعين الناس * يخشى الرحمن أمام الناس وبعيداً عن أعين الناس؟ يخشى الرحمن وإن لم يشاهده ويخشى عقابه الذي في الغيب ويخشاه إذا غاب عن أعين الناس فكثير من الناس وإن كان عندهم دين لكن إذا خلوا إلى أنفسهم قد يفعلون أفعالاً لا يفعلونها أمامهم، هذا يخشى الرحمن وهو غائب عن أعين الناس. فإذن هذه عموم أنواع الخشية * التي تتجلى في قوله (وخشي الرحمن بالغيب) ليس بالغيب الغيب المطلق لأننا في الدنيا لم نرى الله؟ هذا أحد الأوجه التي تُذكر في هذه الآية. * يعني إطلاق عموم دلالة كلمة الغيب بالنسبة للناس وبالنسبة لرب الناس، سبحان الله! وهم غائبون عنه ربنا سبحانه وتعالى الإيمان به بالغيب وما وعد الله به غيب. * بالتأكيد أننا لا نرى الله سبحانه وتعالى فما أفادت كلمة غيب هنا؟ لأنه آمن به بالغيب. ربنا سبحانه وتعالى ذكر الملائكة أنه يؤمنون به، أيضاً ربنا سبحانه وتعالى غائب عن الملائكة لم يروه وهم يؤمنون به، فهذا إيمان بالغيب ليس كل الناس يؤمنون بالغيب. * حينما نقول اتبع الذكر المنطق إذا قلنا اتبع الذكر يقصد به يخشى الرحمن ويؤمن بالغيب، إتباع الذكر في حد ذاته. كل متبع يخشاه بهذه الأوجه كلها؟ أحياناً مع أنه متبع لبعض الأمور لكن قد تفلت منه أمور لا يفعلها أمام الناس وإنما يفعلها أمام نفسه، يحصل هذا الشيء، هذا أمر آخر إتباع مع الخشية والخشية بالغيب. * (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزئون (14) البقرة) لكن هنا الخشية كما ذكرتها معنى الخوف فما الإفادة التي استفدناها من كلام الرحمن مع الخشية؟ كان يأتي اسم آخر، ما دلالة وجود الرحمن مع الخشية؟ أحياناً يسبق إلى الذهن أن الرحمن لا يعاقب الناس يقولون (رحمته سبقت غضبه) (رحمتي وسعت كل شيء) فيتجرأ على فعل التجاء أو اتكالاً على الرحمن الرحيم، هكذا يذهب أن رحمتي واسعة والله غفور رحيم فيفعل الأشياء اتكالاً على هذه الصفة، على صفة الرحمن الرحيم، فربنا حذّرهم قال لا مع أنه رحمن لكن ينبغي أن يُخشى يعني رحمته لا تمنع عقابه ولا تمنع غضبه، * لا نغترّ برحمته كثيراً! لا تتكل على هذا وتترك كل شيء، وإنما الرحمن يعاقب فلا تتكلوا على رحمته فلذلك كان هذا تحذيراً مهماً وكبيراً. ثم إذا كان المنعِم رحمته كثيرة فينبغي أيضاً أن تخشى هذا الراحم وإلا يقطع عنك نعمتك. يعني إذا كان واحد يرحم إنساناً ويفعل له الخير هل ينبغي له أن يخالفه أو يحاربه؟ أو يطيعه؟ هذا يعاقِب بقطع الرحمة عنه إذن كونه رحمن ينبغي أن يُخشى ويُطاع لئلا يقطع عنه رحمته ولئلا يعاقبه بسلب ما أنعم به عليه . جو السورة هو يشيع فيها العزة والرحمة (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)). هناك أمر آخر مهم، هذا توجيه أن تكون الرحمة تنبغي أن تكون مقرونة بخشية الراحم، لا يصح الاتصاف بالرحمة وحدها لأنها قد تكون ضعفاً في غير محلها، قد تكون ضعفاً إن لم يكن معها قوة وخشية. يجب أن يكون معها قوة وخشية إذا كان الشخص لا يخاف من المٌربي ولا يخشاه متكلاً على رحمته يسيء . * "من أمِن العقاب أساء الأدب" ! قد تكون الرحمة وحدها في غير موضعها ستكون موطن ذم وموضع نقص، يعني هذا توجيه للمربي ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم يجب أن تجمع الأمرين الرحمة والخشية والخوف من هذا الراحم، لا تترك كل شيء وتتركه يفعل ما يشاء ولا تعاقبه لأنك ترحمه هذا سيسيء ويفعل ما يشاء "من أمِن العقاب أساء الأدب" إذن هذا توجيه للمربين ليجمعوا بين الرحمة والخشية من الراحِم. * إذن وجود صفات أو أسماء لله فيها قوة وعزة هذا مطلوب بجانب الرحمة؟ طبعاً، ولذلك قال (نبئ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) يجمع ، حتى سيدنا إبراهيم قال (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم). * أو نقول هنا أن الخشية هنا خوف بسيط أو عذاب بسيط مقرون بالرحمن أم لا تعطي هذه الدلالة؟ عندما حذر (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) الحجر) صفة فيها شدة ولذلك هذا الاقتران اقتران في غاية الكمال الخشية والرحمة. * مع إسم الرحمن أيضاً لكن عودة بسيطة لكلمة الغيب يقول ربنا تبارك وتعالى (وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ) وفي مواطن أخرى يذكر الخشية فقط (يخشون ربهم) بدون كلمة الغيب وبدون كلمة الرحمن أيضاً، فما الفرق بين هذه الآية وتلك؟ كيف نفهم سياقاتهما الدلالية؟ لما يقول (يخشون ربهم) هذه خشية مطلقة، يعني غير مقيّدة بالأمور التي تُذكر، عامة على كل حالة سواء كانت بالغيب أم لا. مثلاً عند غيبتهم عن عيون الناس أو عند حضورهم هم يخشون الرحمن في كل حال ليست في حالة دون حالة فستكون خشية مطلقة يدخل فيها (بالغيب) لما قال (يخشون ربهم) صارت الخشية مطلقة وصارت الخشية بالغيب جزءاً من تلك. * يعني هنا أطلق الخشية، عامة؟ عامّة في كل الأحوال. الآن ماذا ذكرت؟ يخشى ربه بالغيب وإن لم يشاهده يخشى ربه، يخشى عقابه أيضاً هذا دخل في قول يخشى ربه، يخشى إذا غاب عن عيون الناس هذا أيضاً يخشى ربه فهو يجمع كل المواطن التي تُذكر بالغيب وغيرها. تلك ستكون جزءً من الإطلاق، يخشون ربهم بالغيب هي حالة من حالات الخشية وتلك خشية عامة مطلقة وهذه مقيّدة. * حينما يقيّد بالغيب (وخشي الرحمن بالغيب) إذا كانت الخشية من العبد لله بالغيب فهي في غير الغيب أعمّ بالنسبة للناس وهذا العموم يدخل فيه التقييد؟ لا، الخصوص يدخل فيه التقييد وليس العموم، العموم مطلق سواء كان في هذه أو غيرها. * (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (23) الزمر) بدون بالغيب! الآية (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذا الأمر اقشعرار الجلود ولينها هل يشعر بها غير صاحبها؟ لا، مع الناس أو وحده؟ إذن دخل فيها (بالغيب) لأنه لا أحد يعلم غير الله سبحانه وتعالى فإذا قال هنا بالغيب ليس لها هنا موضع أصلاً، لا تفيد، هذا الأمر لا يعلمه إلا صاحبه وربنا سبحانه وتعالى، من يعلم بهذا؟ (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب. * هذه القشعريرة أمر داخلي ولين القلوب يعلمه الله سبحانه وتعالى وفيه غيب! إذا قال هنا (بالغيب) ماذا ستفيد هذه العبارة؟ * إذن لا توجد في القرآن الكريم كلمة زائدة أبداً؟ لا، مستحيل. حتى في سورة الرعد أيضاً ذكر (يخشون ربهم) قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21) الرعد) ليس فيها غيب، آية الزمر عرفناها فماذا عن هذه؟ هذا الأمر يتضح عند ذكر كل سياق ورد فيه (بالغيب) وهذه الآية، ينبغي أن يُعلم السياق حتى يعلم لماذا هنا لم يقيد وهناك قيد. نقرأ سياق آية الرعد هذه ونقرأ سياقات أخرى حتى يتبين الفرق لماذا هنا أطلق وهناك قيّد. في الرعد قال (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)) أطلق في هذه الآية. الآن نقرأ ماذا قال في الغيب، ماذا ورد في الغيب، قال تعالى في الأنبياء (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)). وفي موطن آخر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) فاطر) (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) الملك) (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) هذه بالغيب وتلك مطلقة. لو لاحظنا أولاً حتى نفهم النص الذي يظهر من آية الرعد التي هي مطلقة وصفهم بأنهم أولو الألباب ذكر أولو الألباب (إنما) وقصّر التذكر عليهم (إنما) أداة قصر (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ) هذا وصف عام يشمل جميع كل ما أمر الله به، لا ينقضون الميثاق (وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)، يصلون ما أمر الله به أو يوصل (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)، يخشون ربهم (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)، يخافون سوء الحساب (وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ)، (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، هذه مطلقة بالغيب وزيادة (سِرًّا وَعَلَانِيَةً)، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ). جزاؤهم (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ) يدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم (يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) والملائكة يدخلون عليهم يحيونهم سلام عليكم (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ). لو نظرنا في جميع الآيات التي ورد فيها قوله (يخشون ربهم بالغيب) تشمل الجزء مما ذكر في آية الرعد. كما أطلق الخشية أطلق الوصف وأطلق الأجر، لما كانت الخشية بالغيب جزء من الخشية العامة تلاحظ كل ما ورد في القرآن في هذه المواطن هو جزء. حتى تكون المسألة واضحة، في الأنبياء قال (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) ذكراً للمتقين، يخشون ربهم بالغيب، من الساعة مشفقون. لاحظ في سورة الرعد (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) (في سورة الرعد أكثر). في سورة الرعد أكثر فأصبح هذه الصفات (الذين يخشون ربهم بالغيب) جزء مما ذكر في الخشية العامة. نلاحظ في سورة فاطر (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)) أمران يخشون ربهم وأقاموا الصلاة هذه جزء مما ورد في سورة الرعد. في سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فقط يخشون ربهم بالغيب لم يذكر شيئاً آخر، سورة ق (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ (33) ق) متقين، أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب، في سورة ق لم يذكر عبادة بدنية كلها عبادات قلبية (أواب، حفيظ، قلب منيب) لم يذكر عبادة بدنية مثل الإنفاق وإقامة الصلاة، سورة الرعد أعمّ. في سورة يس قال (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) لم يذكر صفات أخرى. إذن تلاحظ عندما قال (بالغيب) هي جزء من الخشية العامة والصفات التي ذكرها هي جزء من الصفات المطلقة المذكورة في قوله (يخشون ربهم). في يس قال (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) لكن نلاحظ في سورة الرعد ذكر اتباع الذكر على درجة الإحسان. أنت عندما تنفق تكون اتبعت الذكر لكن هؤلاء ما اكتفوا وإنما أنفقوا سراً وعلانية هذا إحسان في الإنفاق ليس مجرد إتّباع. مثال آخر، هو قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) لاحظ (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا (40) الشورى) هذا اتّباع (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) الشورى) هذا أعلى، (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا أعلى، هذا إحسان في الإتباع وليس اتباعاً فقط. * إذن هو يقصد ليس مجرد إتباع الذكر وإنما الإحسان في الإتباع؟ فما ذكر في الرعد قال (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً) ولما قال (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) هذا إحسان في الإتباع، إذن صارت آية يس جزء مما ورد في قوله (يخشون ربهم). لاحظ حتى الجزاء، الجزاء في آية الرعد أعلى مما ذكر في يس. في يس قال (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) وفي الرعد (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)). في يس قال مغفرة وأجر كريم الأجر لا يعني الجنة.الأجر هو الجزاء على العمل ولا يعني الجنة بالضرورة. قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) النساء) هذه في الدنيا وقال (لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجراً عظيماً) الجزاء على العمل وليس بالضرورة الجزاء هو الجنة. * إذن في يس ليس المغفرة والأجر الكريم لا يدل دلالة قاطعة على أن الجزاء هو الجنة؟ ليس بالضرورة وإنما الجزاء على العمل زولا يشترط أن يكون الجنة. (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا (20) المزمل) لا تعني الجنة. يمكن أن تكون حسنات لكن الأجر هو الجزاء على العمل. ما ذكر في الرعد أعلى لأنه ذكر الجنة ويدخلون عليهم من كل باب. قد تقول يخشون ربهم بالغيب أعلى من يخشون ربهم؟ هو أشمل لأن قد تكون أحياناً الخشية بالحضور أعلى من الخشية * كيف وقالوا (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)؟ قسم من الناس ضعاف نفوس لا يحبون أن يُتهموا بالتدين يقولون هذا رجعي ويقولون هو معقد فيعمل أعمالاً أمام الناس لا يرتضيها هو ويخشى أن يُتهم بالرجعية والتخلّف ولو رجع إلى نفسه لا يفعلها، مثلاً أنا لست صائماً للتدين وإنما للصحة، يخجل أن يُتهم أنه متدين. يقول أنا لا أمتنع عن الخمر تديناً وإنما لأنها مذهبة للعقل أو تضر بالصحة، يعني هو يراعي الناس يفعل أفعالاً محرّمة بدافع المجاملة لا يخشى الله. الخشية أمام الناس وإظهارها أعل، يُظهر خشيته من الله أمام الناس ستكون أعلى وستكون أكمل لأن فيها إظهار وتعظيم لشعائر الله * مهما سمع من كلام ومهما اتُهم من اتهامات هو ثابت! تقوية لضعفاء المؤمنين ولذلك ربنا ذكر عن قوم (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) المدثر) فإذن الخشية المطلقة أكمل وأشمل لأن أحياناً تكون الخشية أمام الناس وإظهار أنك تخشى الله هذه فيها تقوية للإسلام وتقوية لشعائر الدين وتقوية للآخرين. * إذا صنع هذا ربما يقال له هذا رياء مثلاً؟ المهم هو وأمام الناس قد تكون أكمل * يعني ذكر الخشية بتقييد الغيب هذه أشمل؟ أشمل، ولذلك كان أجرها كما ذكر كثير. * هل الله سبحانه وتعالى فعلاً يحب اللغة العربية؟ وإذا كان يحبها هو أنزل كتباً أخرى بغير لغات؟ هو تحدى بها الخلق وتحدى بها الناس وتحدى به العرب لم يتحدى بلغات أخرى. * هذا التحدي فيه تعظيم للغة، يتحدى بها لأنها قوية في حد ذاتها. والله هذا يفسر لنا الانهيالات التي تنهال على اللغة العربية ولن تنال منها ولن تطال إن شاء الله. نكمل رحلتنا مع الخشية بالغيب والخشية بدون غيب بالشمول والعموم. ذكرنا الآن الفرق بين الخشية المطلقة وبين الخشية المقيّدة. أذكر أمراً في هذه الآية (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس) وفي هذه الآية ذكر نوعين من العبادة عبادة ظاهرة (اتبع الذكر) وعبادة قلبية (خشي الرحمن بالغيب) وذكر نوعين من الجزاء (مغفرة وأجر كريم) المغفرة ما يتعلق بالذنوب والأجر الكريم ما يتعلق بالعمل الصالح إذن شمل كل أنواع العبادة القلبية والظاهرة وكل أنواع العمل العمل السيئ مغفور لهم والعمل الصالح مأجورون عليه.

    — فاضل السامرائي

  • (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) والمعنى إذا كان إنذارك لا ينفع من حق عليه القول فإن الإنذار ينفع من يتبع الذكر ويخشى الرحمن بالغيب أي ينفع من كان حياً يؤثر فيه الإنذار، وينفع أيضاً من اتبع الذكر وهو القرآن والوعظ وخشي الرحمن بالغيب وهم المؤمنون. فالإنذار ينفع طائفتين: طائفة المؤمنين المتبعين للذكر الخاشين للرحمن فإن الإنذار يزيدهم أيماناً وتمسكاً وحذراً وخوفاً مما تنذرهم إياه. وطائفة آخري وهي التي لها قلب وسمع وبصر فتدخل في زمرة أهل الإيمان وهذا شأن كثير ممن أنذروا فإنهم فارقوا دينهم وآمنوا بدين الله. وعلى هذا يكون المعنى إنما تنذر إنذاراً نافعاً من اتبع الذكر، فمع هؤلاء يحصل المطلوب من الإنذار ومقصودة. والذكر هو القرآن والمواعظ وكل ما يذكر به المرء. وقد تقول: إنه عبر بالفعل الماضي فقال (اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِى الرَّحْمَنَ) فهذا يخص طائفة المؤمنين ولا يشمل من لم يدخل الإيمان قلبه بعد. فنقول: إن الفعل الماضي قد يعبر به عن المستقبل كقوله تعالى (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) – البقرة (150)، أي تخرج، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) – البقرة (159 -160)، أي إلا الذين يتوبون ويصلحون ويبينون بعد الكتمان، فعبر عن الكتمان بالفعل المضارع فقال (إن الذين يكتمون) وعبر عن التوبة والإصلاح والتبيين بعد الكتمان بالفعل الماضي فقال (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ، فإذا كان الكتمان مضارعاً فلا شك أن التوبة منه والتبيين يكونان بعده ولكنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي. جاء في (الكشاف) إن قوله تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) "على معنى إنما تحصل البغية بإنذارك من غير هؤلاء المنذرين وهم المتبعون للذكر وهو القرآن والوعظ الخاشعون ربهم" (1) وجاء في (البحر المحيط):"إنما تنذر أي إنذاراً ينفع من اتبع الذكر وهو القرآن، قال قتادة: أو الوعظ" (2). وجاء في (التفسير الكبير): "قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ). والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل: (المسألة الأولى) قال من قبل (لتنذر) وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا، وقال (إنما تنذر) وهو يقضي التخصيص فكيف الجميع بينهما؟ نقول من وجوه: (الأول) هو أن قوله (لتنذر) أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن، وقوله (إنما تنذر) أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى. (الثاني) هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول: يا محمد إنك بإنذارك تهدى ولا تدري من تهدى فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك" (3). وجاء في (روح المعاني) أن "(اتبع) بمعنى (يتبع)، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع والمعنى إنما ينفع إنذارك المؤمنين الذين اتبعوا، ويكون المراد بمن اتبع المؤمنين بالإنذار الإنذار عما يفرط منهم بعد الإتباع فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل المراد من اتبع في علم الله وهم الأقلون الذين لم يحق القول عليهم (4). وقال (اتبع الذكر) ولم يقل (تبع) للدلالة على المبالغة في الاتباع والاجتهاد فيه ولذا اتبعه بقوله وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فإن الذي يخشى الرحمن بالغيب هو متبع إتباعاً جاداً وليس إتباعاً على ضعف، والذي يبشر بمغفرة وأجر كريم هو المتبع لا مجرد التابع. فهؤلاء هم الذين يحصل معهم المقصود من الإنذار. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضي السامرائي الجزء الثاني من ص30 إلى ص32 1- الكشاف 2/583 2- البحر المحيط 7/325 3- التفسير الكبير 26/47 4- روح المعاني 22/217

    — فاضل السامرائي

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

ترجمات معاني الآية ١١ من سورة يس

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(11) You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال