قال الضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، وإسماعيل السُّدِّيّ، ومحمد بن السائب الكلبي: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، أي: لا تُفْسِدوا فيها بالمعاصي، والدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إيّاها ببَعْثِ الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في الآية، قال: إنّ الله يُرسِلُ الريحَ، فتأتي بالسَّحاب من بين الخافقين؛ طرَفِ السماء والأرض، من حيثُ يلتقيانِ، فيُخرجُه مِن ثَمَّ، ثُم ينشُرُه، فيبسُطُه في السماء كيف يشاءُ، ثم يفتحُ أبواب السماء، فيَسيلُ الماءُ على السَّحاب، ثم يُمطِرُ السَّحابُ بعدَ ذلك. وأمّا ﴿رحمته﴾ فهو المطرُ
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في الآية، قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للقلوب، يقولُ: ينزلُ الماءُ، فيُخرجُ البلدُ الطيبُ نباتَه بإذن الله، والذي خبُث هي السَّبخةُ، لا تُخرِجُ نباتَها إلا نكِدًا، فكذلك القلوبُ؛ لَمّا نزلَ القرآنُ بقلب المؤمن آمَنَ به، وثبتَ الإيمانُ في قلبه، وقلبُ الكافرِ لَمّا دخلَه القرآنُ لم يتعلَّقْ منه بشيءٍ ينفعُه، ولم يثبُتْ فيه من الإيمان شيءٌ إلا ما لا ينفع، كما لم يُخرِجْ هذا البلدُ إلا ما لم ينفعْ من النبات. والنَّكِدُ: الشيءُ القليلُ الذي لا ينفعُ
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾، إنّ عادًا أتاهم هود، فوَعَظَهم، وذكَّرهم بما قصَّ اللهُ في القرآن، فكذَّبوه، وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم: ﴿إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به﴾. وإنّ عادا أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا، وذلك أنّ هودًا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، فلمّا دَنَتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلمّا رأوها تَنادَوا: البيوتَ. فلمّا دخلوا البيوتَ دَخَلَتْ عليهم، فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم ﴿في يوم نحس﴾ والنحس: هو الشؤم، و﴿مستمر﴾ [القمر:١٩]، استَمَرَّ عليهم العذاب ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ [الحاقة:٧] حَسَمَتْ كُلَّ شيءٍ مَرَّت به. فلما أخرجتهم من البيوت قال الله: ﴿تنزع الناس﴾ من البيوت، ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ [القمر: ٢٠] انقَعَر من أصوله، ﴿خاوية﴾ [الحاقة: ٧]: خَوَتْ، فسَقَطَتْ. فلمّا أهلكهم الله أرسل إليهم طيرًا سُودًا، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله: ﴿فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولم تخرج ريحٌ قطُّ إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنّها عَتَت على الخَزَنَة، فغَلَبَتْهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، وذلك قوله: ﴿فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة: ٦]، والصرصر: ذات الصوت الشديد