عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- في قوله: ﴿بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، قال: الخمر. والكأس عند العرب: كلُّ إناء فيه شراب، فإن لم يكن فيه شرابٌ لم يكن كأسًا، ولكنه يكون إناء
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ كانا شريكين في بني إسرائيل؛ أحدهما مؤمن، والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به شيئًا، أتَّجَرْت به في شيء؟ قال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ قال: اشتريتُ به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليلُ فصلّى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم، إنّ فلانًا -يعني: شريكه الكافر- اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، ثم يموت غدًا ويتركها، اللهم، إني أشتري منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعتَ في مالك أضربت به في شيء، أتَّجرت به في شئ؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقًا بألف دينار يقومون لي فيها، ويعملون لي فيها. فقال المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهمَّ، إنّ فلانًا اشترى رقيقًا مِن رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدًا فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإنِّي أشتري منك بهذه الألف دينار رقيقًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء، أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئًا واحدًا؛ فلانة مات عنها زوجُها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلمّا انصرف أخذ الألف دينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهمَّ، إنّ فلانًا تزوج زوجة مِن أزواج الدنيا بألف دينار، ويموت غدًا فيتركها أو تموت فتتركه، اللهم، وإنِّي أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح، فقسمها بين المساكين، فبقي المؤمنُ ليس عنده شيء، فلبس قميصًا مِن قطن، وكساء من صوف، ثم جعل يعمل ويحفر بقوته، فجاء رجل، فقال: يا عبد الله، أتُؤاجرني نفسك مشاهرة شهرًا بشهر، تقوم على دوابَّ لي؟ قال: نعم. فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابَّة ضامِرَةً أخذ برأسه، فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. فلما رأى المؤمن الشدة قال: لآتِيَنَّ شريكي الكافر، فلَأعملنَّ في أرضه، يُطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، ويكسيني هذين الثوبين إذا بليا. فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه، وهو ممسٍ، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك سَرَّه. فقالوا له: انطلق، فإن كنت صادقًا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرَّض له. فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه، ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه، فتعرَّض له، فخرج شريكُه وهو راكب، فلمّا رآه عرفه، فوقف فسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ فأين مالك؟ قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئتُ أعمل في أرضك هذه، تطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا ترى مِنِّي خيرًا حتى تخبرني ما صنعتَ في مالك. قال: أقرضتُه. قال: مَن؟ قال: المَليء الوفي. قال: مَن؟ قال: الله ربي. وهو مصافحه، فانتزع يده، ثم قال: ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ * أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾؟! وتركه، فلما رآه المؤمن لا يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة مِن الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله المؤمن الجنة؛ يمر، فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عِدَّتهم، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو بقُبَّةٍ مِن ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لِمَن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يذكر شريكه الكافر، فيقول: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾. قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، فيريه الله شريكه في وسط الجحيم مِن بين أهل النار، فإذا رآه عرفه المؤمن، فيقول: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ * أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إنَّ هَذا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ بمثل ما قد مُنَّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مرَّ عليه في الدنيا مِن الشدة، فلا يذكر أشدَّ عليه مِن الموت