محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٥١ من سورة الصافات في ٩٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٧ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٥١ من سورة الصافات

٩٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَالَ قَآئِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنّكَ لَمِنَ الْمُصَدّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : قال قائل من أهل الجنة إذ أقبل بعضهم على بعض يتساءلون : إني كانَ لي قَرِينٌ فاختلف أهل التأويل في القرين الذي ذُكر في هذا الموضع، فقال بعضهم : كان ذلك القرين شيطانا، وهو الذي كان يقول له : أئِنّكَ لَمِنَ المُصَدّقِينَ بالبعث بعد الممات. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : إنّي كانَ لي قَرِينٌ قال : شيطان. وقال آخرون : ذلك القرين شريك كان له من بني آدم أو صاحب. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إنّي كانَ لِي قَرِينٌ يقول أئِنّكَ لَمِنَ المُصَدّقِينَ قال : هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان، فيقول له المشرك : إنك لتُصدّق بأنك مبعوث من بعد الموت أئذا كنا ترابا ؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمُن الجنة، وأدخل المشرك النار، فاطلع المؤمن، فرأى صاحبه في سَواء الجحيم قَالَ تَاللّهِ إنْ كِدْتَ لُتردِينِ.
حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، قال : عتاب بن بشير، عن خَصيف، عن فُرات بن ثعلبة البهراني في قوله : إنّي كانَ لِي قَرِينٌ قال : إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دِينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر : ليس لك حرفة، ما أُراني إلا مفارقك ومُقاسمك، فقاسمه وفارقه ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك قد مات فدعا صاحبه فأراه، فقال : كيف ترى هذه الدار ابتعُتها بألف دينار ؟ قال : ما أحسنها فلما خرج قال : اللهمّ إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارا من دور الجنة، فتَصَدّقَ بألف دينار ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه تزوّج امرأة بألف دينار، فدعاه وصنع له طعاما فلما أتاه قال : إني تزوّجت هذه المرأة بألف دينار قال : ما أحسن هذا فلما انصرف قال : يا ربّ إن صاحبي تزوّج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة من الحُور العين، فتصدّق بألف دينار ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه فأراه، فقال : إني ابتعت هذين البستانين، فقال : ما أحسن هذا فلما خرج قال : يا ربّ إن صاحبي قد اشترى بساتين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين من الجنة، فتصدّق بألفي دينار ثم إن الملك أتاهما فتوفّاهما ثم انطلق بهذا المتصدّق فأدخله دارا تعجبه، فإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حُسنها، ثم أدخله بستانين، وشيئا الله به عليم، فقال عند ذلك : ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا. قال : فإنه ذاك، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة. قال : فإنه كان لي صاحب يقول : أئِنّكَ لَمِنَ المُصَدّقِينَ قيل له : فإنه من الجحيم، قال : فهل أنتم مُطّلِعون ؟ فاطّلَع فرآه في سواء الجحيم، فقال عند ذلك : تاللّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ. . . الآيات. .
وهذا التأويل الذي تأوّله فرات بن ثعلبة يقوّي قراءة من قرأ «إنّكَ لمِنَ المُصّدّقِينَ » بتشديد الصاد بمعنى : لمن المتصدقين، لأنه يذكر أن الله تعالى ذكره إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقة لا على التصديق، وقراءة قرّاء الأمصار على خلاف ذلك، بل قراءتها بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى : إنكار قرينه عليه التصديق أنه يبعث بعد الموت، كأنه قال : أتصدّق بأنك تبعث بعد مماتك، وتُجْزَى بعملك، وتحاسَب ؟ يدل على ذلك قول الله : أئِذَا مِتْنا وكُنّا تُرَابا وَعِظاما أئِنّا لَمَدِينونَ وهي القراءة الصحيحة عندنا التي لا يجوز خِلافُها لإجماع الحجة من القرّاء عليها.
وقوله : أئِنّا لَمَدِينُونَ يقول : أئنا لمحاسبون ومجزيّون بعد مصيرنا عظاما ولحومنا ترابا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : أئِنّا لَمَدِينُونَ يقول : أئنا لمجازوْن بالعمل، كما تَدِين تُدان.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : أئِنّا لَمَدينُونَ : أئنا لمحاسبون.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ أئِنّا لَمَدينُونَ محاسبون.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يقول بياض البيض حين ينزع قشرته وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِقَوْلِهِ مَكْنُونٌ قَالَ وَالْقِشْرَةُ الْعُلْيَا يَمَسُّهَا جَنَاحُ الطَّيْرِ وَالْعُشُّ وَتَنَالُهَا الْأَيْدِي بِخِلَافِ دَاخِلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ الصَّدَفِيِّ الدِّمْيَاطِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أم سلمة رضي الله عنهما قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قول الله عز وجل: حُورٌ عِينٌ قال:
«العين الضخام الْعُيُونِ شُفْرُ الْحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ قَالَ: «رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الْجِلْدَةِ التي رأسها فِي دَاخِلِ الْبَيْضَةِ الَّتِي تَلِي الْقِشْرَ وَهِيَ الفرقئ». وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ لَيْثٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا حَزِنُوا، وَأَنَا شَفِيعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وأنا أكرم ولد آدم على الله عَزَّ وَجَلَّ وَلَا فَخْرَ، يَطُوفُ عَلِيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُنَّ الْبَيْضُ الْمَكْنُونُ- أَوِ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ-»، والله تعالى أعلم بالصواب.

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٦١]

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنَّهُ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ أَيْ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَكَيْفَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وَمَاذَا كَانُوا يُعَانُونَ فِيهَا وَذَلِكَ مِنْ حديثهم على شرابهم واجتماعهم في تنادمهم ومعاشرتهم فِي مَجَالِسِهِمْ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى السُّرُرِ وَالْخَدَمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَسْعَوْنَ وَيَجِيئُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ عَظِيمٍ مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَلَابِسَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قَالَ مُجَاهِدٌ يَعْنِي شيطانا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما هُوَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ يَكُونُ لَهُ صَاحِبٌ مِنْ أَهَّلَ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا، وَلَا تَنَافِي بَيْنَ كلام مجاهد وابن عباس رضي الله عنهما فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ فَيُوَسْوِسُ فِي النَّفْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ فَيَقُولُ كَلَامًا تَسْمَعُهُ الأذنان وكلاهما يتعاونان قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [الْأَنْعَامِ: ١١٢] وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوَسْوِسُ كما قال الله عز وجل:
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٨٩.
مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [النَّاسِ: ٤- ٦] وَلِهَذَا قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ أَيْ أَأَنْتَ تُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ يَعْنِي يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التعجب والتكذيب والاستبعاد والكفر والعناد.
أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ لَمُحَاسَبُونَ. وَقَالَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي لمجزيون بأعمالنا وكلاهما صحيح قال تعالى:
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أَيْ مُشْرِفُونَ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لِأَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَخُلَيْدٌ الْعَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وعطاء الخراساني يَعْنِي فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي وَسَطِ الْجَحِيمِ كَأَنَّهُ شِهَابٌ يَتَّقِدُ، وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ اطَّلَعَ فَرَأَى جَمَاجِمَ الْقَوْمِ تَغْلِي، وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ فِي الْجَنَّةِ كُوًى إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَدُوِّهِ فِي النَّارِ اطَّلَعَ فِيهَا فَازْدَادَ شُكْرًا قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ يَقُولُ الْمُؤْمِنَ مُخَاطِبًا لِلْكَافِرِ وَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُهْلِكُنِي لَوْ أَطَعْتُكَ.
وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ أَيْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَّ لَكُنْتُ مِثْلَكَ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ حَيْثُ أَنْتَ مُحْضَرٌ مَعَكَ فِي الْعَذَابِ وَلَكِنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيَّ وَرَحِمَنِي فَهَدَانِي لِلْإِيمَانِ وَأَرْشَدَنِي إِلَى تَوْحِيدِهِ وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣]. وقوله تعالى:
أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْمُؤْمِنِ مُغْبِطًا نفسه بما أعطاه الله تعالى مِنَ الْخُلْدِ فِي الْجَنَّةِ وَالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الكرامة بلا موت فيها ولا عذاب ولهذا قال عز وجل: إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الظَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطُّورِ: ١٩] قَالَ ابن عباس رضي الله عنهما قوله عز وجل: هَنِيئاً أَيْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا فَعِنْدَهَا قَالُوا: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ. إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ «١» وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ نَعِيمٍ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُهُ فَقَالُوا: أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قيل لا إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
وقوله جل جلاله لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ قَالَ قَتَادَةُ هَذَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» هُوَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَاهُ لِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ وَهَذَا الْفَوْزِ فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ فِي
(١) انظر الدر المنثور ٦/ ١٤٧.
(٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٣.
الدُّنْيَا لِيَصِيرُوا إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ ذَكَرُوا قِصَّةَ رَجُلَيْنِ كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ تَدْخُلُ فِي ضِمْنِ عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ جَرِيرٍ «١» حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ حَدَّثَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ فُرَاتِ بن ثعلبة النهراني فِي قَوْلِهِ: إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قَالَ إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا شَرِيكَيْنِ فَاجْتَمَعَ لَهُمَا ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا لَهُ حِرْفَةٌ وَالْآخِرُ لَيْسَ لَهُ حِرْفَةٌ، فَقَالَ الَّذِي لَهُ حِرْفَةٌ لِلْآخَرِ لَيْسَ عِنْدَكَ حِرْفَةٌ مَا أَرَانِي إِلَّا مُفَارِقُكَ وَمُقَاسِمُكَ فَقَاسَمَهُ وَفَارَقَهُ ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ كَانَتْ لِمَلِكٍ مَاتَ فَدَعَا صَاحِبَهُ فَأَرَاهُ فَقَالَ كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الدَّارَ ابْتَعْتُهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ؟ قَالَ مَا أَحْسَنَهَا، فلما خرج قال اللهم إن صاحبي هذا قد ابْتَاعَ هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَإِنِّي أَسْأَلُكَ دَارًا مِنْ دُورِ الْجَنَّةِ فَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، ثم مكث ما شاء الله تعالى أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إِنَّهُ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَدَعَاهُ وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَلَمَّا أَتَاهُ قال إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار فقال مَا أَحْسَنَ هَذَا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا رَبِّ إِنَّ صَاحِبِي تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ امْرَأَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَصَدَّقُ بِأَلْفِ دِينَارٍ، ثُمَّ إِنَّهُ مَكَثَ مَا شَاءَ الله تعالى أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ اشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ ثُمَّ دَعَاهُ فَأَرَاهُ فَقَالَ إِنِّي ابْتَعْتُ هَذَيْنِ البستانين بألفي دينار فَقَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَا رَبِّ إِنَّ صَاحِبِي قَدِ اشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ وَأَنَا أَسْأَلُكَ بُسْتَانَيْنِ فِي الْجَنَّةِ فَتَصَدَّقَ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، ثُمَّ إِنِ الْمَلَكَ أَتَاهُمَا فَتَوَفَّاهُمَا ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَذَا الْمُتَصَدِّقِ فَأَدْخَلَهُ دَارًا تعجبه وإذا بامرأة تَطْلُعُ يُضِيءُ مَا تَحْتَهَا مِنْ حُسْنِهَا ثُمَّ أَدْخَلَهُ بُسْتَانَيْنِ وَشَيْئًا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ مَا أَشْبَهَ هَذَا بِرَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَإِنَّهُ ذَاكَ وَلَكَ هَذَا الْمَنْزِلُ وَالْبُسْتَانَانِ وَالْمَرْأَةُ، قَالَ فَإِنَّهُ كان لي صاحب يقول أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ قِيلَ لَهُ فَإِنَّهُ فِي الْجَحِيمِ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ الْآيَاتِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا يُقَوِّي قراءة من قرأ «أإنك لَمِنَ الْمُصَّدِّقِينَ» بِالتَّشْدِيدِ «٢».
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عرفة حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الأبار أخبرنا أَبُو حَفْصٍ قَالَ سَأَلْتُ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيَّ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ قَالَ فَقَالَ لِي مَا ذَكَّرَكَ هَذَا؟ قُلْتُ قَرَأْتُهُ آنِفًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ فَقَالَ:
أَمَا فَاحْفَظْ، كَانَ شَرِيكَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ وَالْآخَرُ كَافِرٌ فَافْتَرَقَا على ستة آلاف دينار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ثم افترقا فمكثا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمْكُثَا، ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ؟ أَضَرَبْتَ بِهِ شَيْئًا «٣» أَتَّجَرْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ لَا فَمَا صَنَعْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ اشْتَرَيْتُ بِهِ أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وأنهارا بألف دينار- قال:
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٠.
(٢) تفسير الطبري ١٠/ ٤٩٠.
(٣) أضربت به شيئا: أي أكسبت به شيئا؟
فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ أَوَ فَعَلْتَ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ صلى ما شاء الله تعالى أَنْ يُصَلِّيَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخَذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانًا- يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرَ- اشْتَرَى أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وَأَنْهَارًا بِأَلْفِ دِينَارٍ ثُمَّ يَمُوتُ غَدًا وَيَتْرُكُهَا اللَّهُمَّ إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ دِينَارٍ أَرْضًا وَنَخْلًا وَثِمَارًا وَأَنْهَارًا فِي الْجَنَّةِ- قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا فِي الْمَسَاكِينِ- قَالَ- ثُمَّ مَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمْكُثَا ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ أَضَرَبْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ اتجرت به في شيء؟ قال لا قال فَمَا صَنَعْتَ أَنْتَ؟ قَالَ كَانَتْ ضَيْعَتِي قَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ مُؤْنَتُهَا فَاشْتَرَيْتُ رَقِيقًا بِأَلْفِ دِينَارٍ يقومون لي فِيهَا وَيَعْمَلُونَ لِي فِيهَا فَقَالَ لَهُ الْمُؤْمِنُ أو فعلت؟ قَالَ نَعَمْ- قَالَ- فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أَنْ يُصَلِّيَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخَذَ أَلْفَ دِينَارٍ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانًا- يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرُ- اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ رقيق الدنيا بألف دينار يموت غدا فيتركهم أو يموتون فيتركونه، اللهم إني اشتريت مِنْكَ بِهَذِهِ الْأَلِفِ الدِّينَارِ رَقِيقًا فِي الْجَنَّةِ- قَالَ- ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا فِي الْمَسَاكِينِ- قَالَ- ثُمَّ مَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمْكُثَا ثُمَّ الْتَقَيَا فَقَالَ الْكَافِرُ لِلْمُؤْمِنِ مَا صَنَعْتَ فِي مَالِكَ أَضَرَبْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ أَتَّجَرْتَ بِهِ فِي شَيْءٍ؟ قَالَ لَا فَمَا صنعت أنت؟ قال كان أَمْرِي كُلُّهُ قَدْ تَمَّ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا فُلَانَةٌ قَدْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا فَأَصْدَقْتُهَا أَلْفَ دِينَارٍ فَجَاءَتْنِي بِهَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا فَقَالَ لَهُ المؤمن أو فعلت؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى إِذَا كان الليل صلى ما شاء الله تعالى أَنْ يُصَلِّيَ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخَذَ الْأَلْفَ الدِّينَارِ الْبَاقِيَةَ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنْ فُلَانًا- يَعْنِي شَرِيكَهُ الْكَافِرَ- تَزَوَّجَ زَوْجَةً مِنْ أزواج الدنيا بألف دينار فيموت غدا فيتركها أو تموت غدا فَتَتْرُكُهُ اللَّهُمَّ وَإِنِّي أَخْطُبُ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ الدينار حوراء عيناء في الجنة.
قال: ثُمَّ أَصْبَحَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمَسَاكِينِ- قَالَ- فَبَقِيَ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ. قَالَ فَلَبِسَ قَمِيصًا مِنْ قُطْنٍ وَكِسَاءً مِنْ صُوفٍ ثُمَّ أَخَذَ مَرًّا «١» فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَعْمَلُ الشَّيْءَ وَيَحْفِرُ الشيء بقوته. قال فجاءه رجل فقال: له يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتُؤَاجِرُنِي نَفْسَكَ مُشَاهَرَةً شَهْرًا بِشَهْرٍ تَقُومُ عَلَى دَوَابٍّ لِي تَعْلِفُهَا وَتَكْنُسُ سرقينها قال نعم أفعل قَالَ فَوَاجَرَهُ نَفْسَهُ مُشَاهَرَةً شَهْرًا بِشَهْرٍ يَقُومُ عَلَى دَوَابِّهِ، قَالَ فَكَانَ صَاحِبُ الدَّوَابِّ يَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ يَنْظُرُ إِلَى دَوَابِّهِ فَإِذَا رَأَى مِنْهَا دَابَّةً ضَامِرَةً أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَوَجَأَ عُنُقَهُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ سَرَقْتَ شَعِيرَ هَذِهِ الْبَارِحَةَ قال فَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُ هَذِهِ الشِّدَّةَ قَالَ لَآتِيَنَّ شَرِيكِيَ الْكَافِرَ فَلَأَعْمَلَنَّ فِي أَرْضِهِ فَيُطْعِمُنِي هَذِهِ الكسرة يوما بيوم وَيَكْسُونِي هَذَيْنَ الثَّوْبَيْنِ إِذَا بَلِيَا، قَالَ فَانْطَلَقَ يُرِيدُهُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِهِ وَهُوَ مُمْسٍ فَإِذَا قَصْرٌ مُشَيَّدٌ فِي السَّمَاءِ وَإِذَا حَوْلَهُ الْبَوَّابُونَ فَقَالَ لَهُمُ اسْتَأْذِنُوا لِي صَاحِبَ هَذَا الْقَصْرِ فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ سَرَّهُ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ انْطَلِقْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَنَمْ فِي نَاحِيَةٍ فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَتَعَرَّضْ لَهُ. قَالَ فَانْطَلَقَ الْمُؤْمِنُ فَأَلْقَى نِصْفَ كِسَائِهِ تَحْتَهُ وَنِصْفَهُ فَوْقَهُ ثُمَّ نَامَ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى شَرِيكَهُ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَخَرَجَ شَرِيكُهُ الْكَافِرُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَمَّا
(١) المرّ، بفتح الميم: الحبل.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم :﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{٥٠ - ٦١} ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾.
لما ذكر تعالى نعيمهم، وتمام سرورهم، بالمآكل والمشارب، والأزواج الحسان، والمجالس الحسنة، ذكر تذاكرهم فيما بينهم، ومطارحتهم للأحاديث، عن الأمور الماضية، وأنهم ما زالوا في المحادثة والتساؤل، حتى أفضى ذلك بهم، إلى أن قال قائل منهم: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ في الدنيا، ينكر البعث، ويلومني على تصديقي به.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير يحيى بن سلام — يحيى بن سلام مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
قَرِينٌ
صَاحِبٌ مُلَازِمٌ لِي.

إعراب الآية ٥١ من سورة الصافات

من كتاب: إعراب القرآن

لا فِيها غَوْلٌ ويقال بمعناه: غيلة وغائلة، وهو ما يؤذي الإنسان من الصداع أو غيره وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قراءة أهل المدينة وأهل البصرة وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين إلّا عاصما يُنْزَفُونَ «١» بكسر الزاي. قال أبو جعفر: والقراءة الأولى أبين وأصحّ في المعنى لأن معنى «ينزفون» عند جلّة أهل التفسير منهم مجاهد لا تذهب عقولهم فنفى الله جلّ وعزّ عن خمر الجنة الآفات التي تلحق في الدنيا من خمرها من الصداع والسكر. فأما معنى «ينزفون» فالصحيح فيه أنه يقال: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وهذا يبعد أن يوصف به شراب أهل الجنة، ولكن مجازه أن يكون بمعنى لا ينفذ أبدا.

[سورة الصافات (٣٧) : آية ٤٨]

وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)
عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب قالوا: قصرن طرفهنّ على أزواجهن فلا يبغين غيرهم، وقال عكرمة: قاصرات الطرف أي محبوسات على أزواجهن والتفسير الأول أبين لأنه ليس في الآية مقصورات موضع آخر حُورٌ مَقْصُوراتٌ [الرحمن:
٧٢] من قول العرب امرأة قصيرة ومقصورة إذا حبست على زوجها. عِينٌ جمع عيناء والأصل فيه فعل فكسرت العين لئلا تنقلب الياء واوا.

[سورة الصافات (٣٧) : آية ٤٩]

كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)
قال مطر الوراق: أي بيض محضون أي لم توسّخه الأيدي. قال أبو جعفر:
هكذا تقول العرب إذا وصفت الشيء بالحسن والنظافة كأنه بيض النّعام المغطّى بالريش.

[سورة الصافات (٣٧) : الآيات ٥٠ الى ٥٢]

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ وإدغام التاء في السين جائز في العربية. قال الأخفش: إنما سأل عن صاحبه ثم أخبر فقال إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ قال سعد بن مسعود:
وشريكه قرينه، وهما رجلان من بني إسرائيل اشتركا في تجارة فربحا ستة آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فافترقا فلقي أحدهما صاحبه فقال له: هل علمت أني تزوجت امرأة من أفضل نساء بني إسرائيل بألف دينار؟ فمضى صاحبه فأخذ ألف دينار تصدّق بها على المساكين والفقراء وقال: اللهمّ إنّ صاحبي تزوّج امرأة يموت عنها، ويكبر وتفارقه، وأني أسألك أن تنكحني امرأة من نساء أهل الجنّة بهذه الألف،
(١) انظر تيسير الداني ١٥١، وكتاب السبعة لابن مجاهد ٥٤٧.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٥١ من سورة الصافات

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٧ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٧ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾، قال: هو الرجل المشرك يكون له الصاحبُ في الدنيا مِن أهل الإيمان، فيقول له المشرك: إنك لَتُصدِّق بأنّك مبعوثٌ مِن بعد الموت أئذا كنا ترابًا؟! فلمّا أن صاروا إلى الآخرة وأُدخل المؤمن الجنة، وأُدخل المشرك النار، فاطَّلع المؤمن فرأى صاحبه في سواء الجحيم، قال: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ١٩‏/‏٥٤٣.
٢
عن فرات بن ثعلبة البهراني -من طريق خصيف- في قوله: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾، قال: ذُكر لي: أنّ رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانيةُ آلاف دينار، فكان أحدهما ليس له حِرفة، والآخر له حِرفة، فقال: إنه ليس لك حِرفة، فما أراني إلا مُفارقك ومُقاسمك. فقاسمه، ثم فارقه، ثم إنّ أحد الرجلين اشترى دارًا كانت لِمَلِك بألف دينار، فدعا صاحبه، فقال: كيف ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار. فقال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم، إنّ صاحبي قد ابتاع هذه الدار، وإنِّي أسألك دارًا مِن الجنة. فتصدّق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم تزوج امرأةً بألف دينار، فدعاه، وصنع له طعامًا، فلمّا أتاه قال: إنِّي تزوجتُ هذه المرأة بألف دينار. قال: ما أحسن هذا! فلمّا خرج قال: اللهم، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار، وإني أسألك امرأة مِن الحور العين. فتصدّق بألف دينار، ثم إنّه مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه، فأراه، وقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار. فقال: ما أحسن هذا! فلمّا خرج قال: يا ربِّ، إن صاحبي قد ابتاع بستانين بألفي دينار، وإني أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إنّ الملك أتاهما، فتوفّاهما، فانطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارًا تُعجِبه، فإذا امرأة يضيء ما تحتها مِن حُسنها، ثم أدخله البستانين وشيئًا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجلٍ كان مِن أمره كذا وكذا. قال: فإنه ذلك، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة. فقال: إنّه كان لي قرين يقول: ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾. قيل له: فإنه في الجحيم. قال: ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾، فقال عند ذلك: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور في سننه - التفسير ٧‏/‏١٤٨، وابن جرير ١٩‏/‏٥٤٣-٥٤٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢عَلَّقَ ابنُ جرير (١٩/٥٤٥) على هذا الأثر بقوله: «هذا التأويل الذي تأوله فرات بن ثعلبة يقوي قراءة مَن قرأ: (إنَّكَ لَمِنَ المصَّدِّقينَ) بتشديد الصاد، بمعنى: لمن المتصدِّقين؛ لأنه يذكر أن الله -تعالى ذكره- إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقة لا على التصديق. وقراءة قراء الأمصار على خلاف ذلك، بل قراءتها بتخفيف الصاد وتشديد الدال، بمعنى: إنكار قرينه عليه التصديق أنه يبعث بعد الموت، كأنه قال: أتصدق بأنك تبعث بعد مماتك، وتجزى بعملك، وتحاسب؟ يدل على ذلك قول الله: ﴿أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون﴾، وهي القراءة الصحيحة عندنا التي لا يجوز خلافها؛ لإجماع الحجة من القراء عليها».
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾، قال: شيطان١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد (٥٦٨)، وأخرجه يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٣٢ من طريق ابن مجاهد، وابن جرير ١٩‏/‏٥٤٣، والفريابي -كما في التغليق ٤‏/‏٣٩٤-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ عطية (٧/٢٨٦ بتصرف) مُبيِّنًا القرينين المذكورين: «قال ابنُ عباس وغيره: كان هذان من البشر مؤمن وكافر. وقالت فرقة: هما اللذان ذكر الله تعالى في قوله:﴿يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلًا﴾ [الفرقان:٢٨]. وقال مجاهد: كان إنسيًّا وجنيًّا مِن الشياطين الكفرة. والأول أصوب». ولم يذكر مستندًا.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ، قال: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ كانا شريكين في بني إسرائيل؛ أحدهما مؤمن، والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، ثم افترقا فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به شيئًا، أتَّجَرْت به في شيء؟ قال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ قال: اشتريتُ به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليلُ فصلّى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم، إنّ فلانًا -يعني: شريكه الكافر- اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، ثم يموت غدًا ويتركها، اللهم، إني أشتري منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعتَ في مالك أضربت به في شيء، أتَّجرت به في شئ؟ قال: لا. قال: فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد علي مؤنتها، فاشتريت رقيقًا بألف دينار يقومون لي فيها، ويعملون لي فيها. فقال المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار، فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهمَّ، إنّ فلانًا اشترى رقيقًا مِن رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدًا فيتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللهم، وإنِّي أشتري منك بهذه الألف دينار رقيقًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين، ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا، فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك، أضربت به في شيء، أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كان أمري كله قد تم إلا شيئًا واحدًا؛ فلانة مات عنها زوجُها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أوَفعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن، حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلمّا انصرف أخذ الألف دينار الباقية، فوضعها بين يديه، وقال: اللهمَّ، إنّ فلانًا تزوج زوجة مِن أزواج الدنيا بألف دينار، ويموت غدًا فيتركها أو تموت فتتركه، اللهم، وإنِّي أخطب إليك بهذه الألف دينار حوراء عيناء في الجنة. ثم أصبح، فقسمها بين المساكين، فبقي المؤمنُ ليس عنده شيء، فلبس قميصًا مِن قطن، وكساء من صوف، ثم جعل يعمل ويحفر بقوته، فجاء رجل، فقال: يا عبد الله، أتُؤاجرني نفسك مشاهرة شهرًا بشهر، تقوم على دوابَّ لي؟ قال: نعم. فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابَّة ضامِرَةً أخذ برأسه، فوجأ١ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة. فلما رأى المؤمن الشدة قال: لآتِيَنَّ شريكي الكافر، فلَأعملنَّ في أرضه، يُطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، ويكسيني هذين الثوبين إذا بليا. فانطلق يريده، فانتهى إلى بابه، وهو ممسٍ، فإذا قصر مشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي صاحب هذا القصر؛ فإنّكم إن فعلتم ذلك سَرَّه. فقالوا له: انطلق، فإن كنت صادقًا فنم في ناحية، فإذا أصبحت فتعرَّض له. فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته ونصفه فوقه، ثم نام، فلما أصبح أتى شريكه، فتعرَّض له، فخرج شريكُه وهو راكب، فلمّا رآه عرفه، فوقف فسلم عليه وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟ فأين مالك؟ قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئتُ أعمل في أرضك هذه، تطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا ترى مِنِّي خيرًا حتى تخبرني ما صنعتَ في مالك. قال: أقرضتُه. قال: مَن؟ قال: المَليء الوفي. قال: مَن؟ قال: الله ربي. وهو مصافحه، فانتزع يده، ثم قال: ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ * أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾؟! وتركه، فلما رآه المؤمن لا يلوي عليه رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة مِن الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. فإذا كان يوم القيامة، وأدخل الله المؤمن الجنة؛ يمر، فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو برقيق لا تحصى عِدَّتهم، فيقول: لِمَن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يمر فإذا هو بقُبَّةٍ مِن ياقوتة حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لِمَن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: أوَبلغ مِن فضل عملي أن أُثاب بمثل هذا؟! ثم يذكر شريكه الكافر، فيقول: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾. قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، فيريه الله شريكه في وسط الجحيم مِن بين أهل النار، فإذا رآه عرفه المؤمن، فيقول: ﴿تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ * أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إنَّ هَذا لَهُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ بمثل ما قد مُنَّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مرَّ عليه في الدنيا مِن الشدة، فلا يذكر أشدَّ عليه مِن الموت٢
التخريج
  1. ١وجأ عنقه: ضربه. لسان العرب ١‏/‏١٩٠.
  2. ٢أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٧‏/‏١٤-١٦-.
٥
عن عطاء الخراساني -من طريق معمر- قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار، فاقتسماها، فَعَمَدَ أحدُهما فأشترى بألف دينار أرضًا، فقال صاحبُه: اللهم، إنّ فلانًا اشترى بألف دينار أرضًا، وإنِّي أشتري منك بألف دينار أرضًا في الجنة. فتصدق بألف دينار، ثم ابتنى صاحبه دارًا بألف دينار، فقال هذا: اللهم، إن فلانًا ابتنى دارًا بألف دينار، وإنِّي أشتري منك دارًا في الجنة بألف دينار. فتصدّق بألف دينار، ثم تزوج صاحبُه امرأة، فأنفق عليها ألف دينار، فقال: اللهم، إنّ فلانا تزوج امرأة، فأنفق عليها ألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار. فتصدَّق بألف دينار، ثم اشترى خدمًا ومتاعًا بألف دينار، فقال: اللهم، إنّ فلانًا اشترى خدمًا ومتاعًا بألف دينار، وإني أشتري منك خدمًا ومتاعًا في الجنة بألف دينار. فتصدق بألف دينار، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيتُ صاحبي هذا لعلَّه ينالني معروف. فجلس على طريقه، فمرَّ به في حَشَمه وأهله، فقام إليه، فنظر الآخرُ فعرفه، فقال: فلان؟! فقال: نعم. فقال: ما شأنُك؟ فقال: أصابتني بعدك حاجةٌ، فأتيتك لتصيبني بخير. قال: فما فعل مالُك؛ فقد اقتسمنا مالًا واحدًا، فأخذت شطرَه وأنا شطرَه. فقال: اشتريتَ دارًا بألف دينار، ففعلتُ أنا كذلك، وفعلتَ أنت كذا، وفعلتُ أنا كذا. فقصّ عليه القصة، فقال: إنك لمن المصدقين بهذا؟! اذهب فواللهِ لا أعطيك شيئًا. فردّه، فقُضي لهما أن تُوفيا؛ فنزلت فيهما: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ حتى بلغ: ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ قال: لَمُحاسبون١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏١٤٩ مقتصرًا على أوله، وإسحاق البستي ص٢٠٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ وذلك أنّ أخوين مِن بني إسرائيل -اسم أحدهما: فطرس، والآخر: سلخا- ورِث كلُّ واحدٍ منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فأمّا أحدهما فأنفق ماله في طاعة الله عز وجل، والمشرك الآخر أنفق مالَه في معصية الله عز وجل ومعيشة الدنيا، وهما اللذان ذكرهما الله عز وجل في سورة الكهف، فلمّا صارا إلى الآخرة أُدخِل المؤمن الجنة، وأُدخل المشرك النار، فلما أُدخل الجنة المؤمن ذكر أخاه، فقال لإخوانه من أهل الجنة: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ يعني: صاحب، ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٠٧-٦٠٨.
٧
قال يحيى بن سلّام: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ صاحب في الدنيا، ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ على الاستفهام١
التخريج
  1. ١تفسير يحيى بن سلام ٢‏/‏٨٣١.
التفسير بالمأثور لسورة الصافات كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٥١ من سورة الصافات

٦ وقفات في هذه الآية

  • "قال قائلٌ منهم إني كان لي قرين" القصص الجميلة العذبة عشق إنساني لا ينتهي في الجنة يتذاكرون ويقصون!

    — عبدالله بلقاسم

  • برنامج هدى للناس سورة الصافات أية من 50 إلى 57

    — محمد السريع

  • (قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ..)بعض الشبهات التي يرددها البعض قد يكون مصدرها صحبة سوء

    — مجالس التدبر

  • (قال إني كان لي قرين) اختر من تصاحب في الدنيا لأنك ستجد أثره يوم القيامة فاظفر بصاحب العقيدة السليمة تربت يداك!

    — مجالس التدبر

  • { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } بعض الأصدقاء لا يشكلون خطرًا على الأخلاق والسلوك فحسب بل وعلى العقيدة.

    — مجالس التدبر

  • { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ} (سورة الصافات) تفقد أصدقائك! ربما أحدهم على شاكلة هذا !!

    — مجالس التدبر

ترجمات معاني الآية ٥١ من سورة الصافات

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(51) A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال