عن وهب بن كَيْسان، قال: كتب رجلٌ إلى عبد الله بن الزبير بموعظة: أمّا بعد، فإنّ لأهل التقوى علامات يُعرَفون بها، ويعرفونها من أنفسهم؛ مِن صبرٍ على البلاء، ورِضًى بالقضاء، وشكرِ النَّعْماء، وذُلٍّ لحُكْمِ القرآن
عن وهب بن كيسان، أنه سمع عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما يسأل عُبَيد بن عُمَير الجندعي عن بُدُوِّ أمر رسول الله ﷺ. قال عُبيد: كان ﷺ يجاور بحراء مِن كلّ سنة شهرًا، ويُطعم مَن جاءه من المشركين، فإذا قضى جواره لم يَصِل إلى بيته حتى يطوف بالكعبة، فبينا رسول الله ﷺ بحراء، وكان يقول: «لم يكن من الخَلْق شيء أبغض إليّ مِن شاعر أو مجنون، كنتُ لا أطيق النظر إليهما، فلما ابتدأني الله عز وجل بكرامته أتاني رجل في كفّه نمط مِن ديباج، فيه كتاب، وأنا نائم، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فغطّني حتى ظننتُ أنه الموت، ثم كشط عني، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فعاد لي مثل ذلك، فقال: اقرأ. فقلتُ: وما أقرأ؟ فعاودني بمثل ذلك، فقلتُ: أنا أُمِّيٌّ. ولا أقولها إلا تنحيًّا مِن أن يعود لي بمثل الذي فعل بي، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق﴾ إلى قوله: ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾. انتهى كما كان يصنع بي». قال: «ففزعتُ، فكأنما صوّر في قلبي كتابًا، فقلتُ: إنّ الأبعد -يعني: نفسه- لشاعر أو مجنون، فقلت: لا تَحَدَّثُ عني قريشٌ بهذا، لأعمدنّ إلى حالق مِن الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلها. فخرجتُ وما أريد غير ذلك، فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعتُ مناديًا ينادي مِن السماء: يا محمد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل. فذهبتُ أرفع رأسي، فإذا رجل صافٌّ قدميه في أُفُق السماء، فوقفتُ لا أقدر على أنْ أتقدّم ولا أتأخّر، وما أصرف وجهي في ناحية من السماء إلا قد رأيتُه، حتى بعثتْ خديجة رضي الله عنها إليّ رسلها في طلبي، ورجعوا إليها»...