عن ابن إسحاق، قال: سألتُ الزهريَّ عن هذه الآيات: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾، وقوله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان:٦٣]. قال: ما زلتُ أسمعُ علماءَنا يقولون: نزَلت في النجاشيِّ وأصحابه
قال ابن إسحاق: فلمّا أبَوْا إلا الكفرَ به أمْسَكَ اللهُ عنهم القَطْرَ ثلاث سنين -فيما يزعمون- حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمرٌ في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه؛ إنّما يطلبونه بحُرْمَة ومكان بيته، وكان معروفًا عند المِلَل، وبه العماليق مقيمون، وهم مِن سلالة عِمْلِيقُ بن لاوَذَ بن سام بن نوح، وكان سيِّدُهم إذ ذاك رجلًا يُقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أُمٌّ من قوم عاد، واسمها: كَلْهدةَ ابنةَ الخَيْبَرِيِّ، قال: فبَعَثَتْ عادٌ وفدًا قريبًا من سبعين رجلًا إلى الحرم؛ لِيَسْتَسْقوا لهم عند الحرم، فمَرُّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا، يشربون الخمر، وتُغَنِّيهم الجرادتان؛ قَيْنَتانِ لمعاوية بن بكر، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلمّا طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عَمِل شعرًا يُعَرِّض لهم بالانصراف، وأمر القَيْنَتَيْنِ أن تغنياهم به، فقال: ألا يا قَيْلُ ويحك قم فَهَيْنِمْ لعل الله يصبحنا غَماما فيسقي أرض عاد إنّ عادًا قد أمسوا لا يُبِينون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجو به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نساؤهمُ بخير فقد أمست نساؤهمُ عَرامى وإن الوحش تأتيهم جهارًا ولا تخشى لعادِيٍّ سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم نهاركم وليلكم التماما فقُبِّح وفدُكم من وفد قوم ولا لقوا التحية والسلاما قال: فعند ذلك تَنَبَّه القومُ لِما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودَعَوْا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قَيْلُ بن عَنزٍ، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا: بيضاء، وسوداء، وحمراء، ثم ناداه منادٍ من السماء: اختر لنفسك -أو: لقومك- من هذا السحاب. فقال: اخترت هذه السحابة السوداء؛ فإنّها أكثر السحاب ماءً. فناداه منادٍ: اخترتَ رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي مِن عاد أحدا، لا والدًا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللُّوذِيَّةِ المُهَدّى، قال: وبنو اللوذية: بطنٌ من عادٍ، مقيمون بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء -فيما يذكرون- التي اختارها قَيْلُ بن عَنزٍ بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من وادٍ يُقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾. يقول: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف:٢٤-٢٥] أي: تُهْلِك كلَّ شيء مَرَّت به، فكان أول مَن أبصر ما فيها وعرف أنها ريح -فيما يذكرون- امرأة من عاد يُقال لها: مَهْدُ، فلمّا تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلمّا أفاقت قالوا: ما رأيتِ، يا مَهْدُ؟ قالتْ: ريحًا فيها شُهُب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخَّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما قال الله. والحسوم: الدائمة. فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك، واعتزل هود عليه السلام فيما ذُكِر لي- ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومَن معه إلا ما تلين عليه الجلود، وتَلْتَذُّ الأنفس، وإنّها لَتَمُرُّ على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة
عن ابن إسحاق، قال: ذكَر لي يعقوب بن أبي سلمة: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا ذكَر شعيبًا قال: «ذاك خطيبُ الأنبياء». لحُسْنِ مراجعتِه قومَه فيما يُرادُّهم به، فلمّا كذَّبوه، وتوعَّدُوه بالرجم والنفي من بلاده، وعَتَوْا على الله؛ أخَذهم عذاب يوم الظُّلَّة. فبلغني: أنّ رجلًا مِن أهل مدين يُقال له: عمرو بن جَلْهاءَ، لَمّا رآها قال: يا قومِ إنّ شعيبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عنكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بن شداد إنِّي أرى غَبْيَةًيا قومِ قد طلَعت تَدْعُو بصوتٍ على صَمّانةِ الوادي وإنه لن تَرْوا فيه ضَحاءَ غدٍ إلا الرَّقيمُ يُمَشِّي بين أنجادِ وسُمَيرٌ وعِمرانُ كاهِناهم، والرَّقيمُ كَلْبُهم
قال ابن إسحاق: ثم عَدَل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العَرِيش، فدَخَله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول فيما يقول: «اللهم، إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبَد». وأبو بكر يقول: يا نبيَّ الله، بعض مناشدتك ربك، فإنّ الله منجز لك ما وعدك. وقد خَفَق رسول الله ﷺ خَفْقَةً وهو في العَرِيش، ثم انْتَبَه، فقال: «أبْشِرْ، يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله، هذا جبريل آخِذٌ بعِنان فرسٍ يقوده، على ثَناياه النَّقْعُ»
عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني أُمَيَّةُ بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أنّهُ حُدِّث: أنّ مالك بن عوف بَعَث عُيونًا، فأتَوه وقد تَقطَّعت أوصالُهم، فقال: ويلَكم! ما شأنُكم؟ فقالوا: أتانا رجالٌ بِيضٌ على خَيْلٍ بُلْقٍ، فواللهِ، ما تماسَكْنا أن أصابَنا ما ترى
عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم: أنّ آدم حين دخل الجنة، ورأى ما فيها مِن الكرامة، وما أعطاه اللهُ منها؛ قال: لو أنّ خُلْدًا كان. فاغتنمها منه الشيطان لَمّا سَمِعها منه، فأتاه مِن قِبَل الخُلْد
عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي -من طريق محمد بن كعب القرظي- قال: لقد ذُكر لي: أنّ فرعون خرج في طلب موسى - عليه السلام - على سبعين ألفًا مِن دُهم الخيل، سوى ما في جنده من شبه الخيل، قال ابن إسحاق: وخرج موسى ببني إسرائيل، حتى إذا قابله البحر لم يكن له عنه مُنصَرَف؛ طلع فرعون في جنوده من خلفهم، ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾ للنجاة، قد وعدني ذلك، ولا خُلْف لموعوده. فأوحى الله - عز وجل فيما ذُكِر لي- إلى البحر: إذا ضربك موسى بالعصاة فانفلِق. قال: فبات البحرُ يضرب بعضُه بعضًا فَرَقًا مِن الله - عز وجل -، وانتظار ما أُمِر به، وأوحى الله - عز وجل - إلى موسى: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾. فضربه بها، وفيهاسلطان الله - عز وجل - الذي أعطاه، ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ عن يَبَسٍ من الأرض. يقول الله - عز وجل - لموسى: ﴿فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]. فلما شق له البحر عن طريقٍ قاعهُ يبسٌ، تلا موسى ببني إسرائيل، فاتبعه فرعون وجنوده
عن ابن إسحاق، قال: نصب عمرو بن لحي مناة على ساحل البحر مِمّا يلي قُدَيْد، يحجونها ويطوفونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا مِن منى أتوا مناة، فأهلُّوا لها، فمَن أهلَّ لها لم يطف بين الصفا والمروة