عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾، يقول: وكذلك مَنَّ الله على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا، أدبًا وموعظةً، فإنّه غيرُ مُسْتَأْصِلٍ لكلِّ ما فيهم مِن الحقِّ له عليهم، لِما أصابوا مِن معصيته؛ رحمةً لهم، وعائِدةً عليهم، لِما فيهم من الإيمان
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: فكان أوَّل مَن عرف رسولَ الله ﷺ بعد الهزيمة وقولِ الناس: قُتِل رسولُ الله صلى وسلم -كما حدَّثني ابنُ شهاب الزهري- كعبُ بن مالك أخو بني سلمة. قال: عرفتُ عينيه تَزْهَران تحت المِغْفَر، فناديتُ بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشِروا، هذا رسول الله ﷺ. فأشار إلَيَّ رسولُ الله أنْ أنصِتْ، فلمّا عرف المسلمون رسولَ الله ﷺ نهضوا به، ونهض نحو الشِّعْبِ، معه عليُّ بن أبي طالب، وأبو بكر بنُ أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصِّمة، في رهطٍ من المسلمين، قال: فبينا رسول الله ﷺ في الشِّعْبِ ومعه أولئك النفرُ من أصحابه، إذ عَلَتْ عالِيَةٌ من قريشٍ الجبلَ، فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا». فقاتل عمرُ بن الخطاب ورهطٌ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرةٍ من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله ﷺ قد بَدَّن، وظاهر بين دِرْعَيْن، فلمّا ذهب لينهض، فلم يستطع؛ جلس تحته طلحةُ بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها. ثُمَّ إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشْرَف على الجبل، ثُمَّ صرخ بأعلى صوته: أنْعَمَتْ فَعالِ، إنّ الحرب سجالٌ، يومٌ بيوم بدر، اعلُ، هُبَلُ. أي: ظهر دينُك، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «قُمْ، فأجِبْه، فقُلْ: اللهُ أعلى وأجلُّ، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار». فلمّا أجاب عمرُ رضي الله عنه أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلُمَّ إلَيَّ، يا عمرُ. فقال له رسولُ الله ﷺ: «ائْتِه، فانظرْ ما شأنه؟». فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشُدُكَ اللهَ، يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللَّهُمَّ، لا، وإنّه لَيَسمعُ كلامَك الآن. فقال: أنت أصدقُ عندي مِن ابن قميئة وأبرُّ. لِقول ابن قميئة لهم: إنِّي قتلتُ محمدًا. ثُمَّ نادى أبو سفيان، فقال: إنّه قد كان في قتلاكم مُثْل، واللهِ، ما رضيتُ ولا سخطتُ، وما نهيتُ ولا أمرتُ
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: أنّبهم اللهُ بالفرار عن نبيِّهم وهو يدعوهم، لا يعطِفون عليه لدعائه إياهم، فقال: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾، أي: كربًا بعد كرب، قَتْل مَن قُتِل من إخوانكم، وعُلُوّ عدوِّكم عليكم، وما وقع في أنفسكم مِن قول مَن قال: قُتِل نبيُّكم. فكان ذلك مما تتابع عليكم غمًّا بغمٍّ
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ مِن ظهوركم على عدوِّكم بعد أن رأيتموه بأعينكم، ﴿ولا ما أصابكم﴾ مِن قتل إخوانكم حين فرجت بذلك الكرب عنكم، ﴿والله خبير بما تعملون﴾. وكان الذي فرَّج به عنهم ما كانوا فيه مِن الكرب والغم الذي أصابهم؛ أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- ردَّ عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيِّهم، فلمّا رأوا رسول الله ﷺ حيًّا بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم مِن القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم، حين صرف الله القتلَ عن نبيِّهم ﷺ
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾، قال: أهل النفاق قد أهمتهم أنفسُهم تَخَوُّفَ القتل، وذلك أنّهم لا يرجون عاقبة[[أخرجه ابن جرير ٦/١٦٥.]][[c=١٤٤١]]
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قوله: ﴿يظنون بالله غير الحق﴾، قال: وذلك أنّهم كانوا لا يرجون عاقبة، فذكر اللهُ تَلاوُمَهم وحسرتهم على ما أصابهم[[أخرجه ابن جرير ٦/١٧٠، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٤.]][[c=١٤٤٤]]
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ذكر الله تَلاوُمَهم -يعني: تلاومَ المنافقين-، وحسرتَهم على ما أصابهم، ثُمَّ قال لنبيه ﷺ: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم﴾ لم تحضروا هذا الموضع الذي أظهر الله جل وعز فيه منكم ما أظهر مِن سرائركم؛ لأخرج الذين كُتِب عليهم القتلُ إلى موطنٍ غيرِه يُصْرَعون فيه