عن الحسن البصري -من طريق مُحْرِز بن عمرو- قال: إنّ الله -وله الحمد، لا شريك له- رَفَع عن هذه الأمةِ الخطأَ، والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه، وما لا يُطِيقون، وأَحَلَّ لهم في حال الضرورة كثيرًا مِمّا حُرِّم عليهم، وأعطاهم خمسًا: أعطاهم الدنيا قَرْضًا، وسألهم إياها قرضًا، فما أعطوه عن طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة، من العشرة إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يعلم علمَه إلا اللهُ تبارك وتعالى، وذلك قوله عز وجل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾...
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّما سألوا ذلك أنّهم كانوا في مدينةٍ لهم قد بارك الله لهم في مكانهم، لا يدخله عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون إلى غيره، ... فلما عَظُمَتْ أحداثُهم، وانتكهوا محارم الله عز وجل، وجارُوا في الحُكْمِ؛ نَزَل بهم عدوُّهم، فخرجوا إليهم، وأخرجوا التابوتَ -وكان يكون التابوت أمامهم في القتال-، فقدَّموا التابوت، فسُبِيَ التابوت، وكان عليهم ملِكًا يُقال له: إيلاف. فأُخْبِرَ الملِكُ أنّ التابوت قد سُبِي واسْتُلِب، فمالَتْ عُنُقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمَرَجَتْ أمورهم، فظهر عدوُّهم، وأُصِيب من أبنائهم ونسائهم، فعند ذلك قالوا: ﴿ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله﴾
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:... سأل اللهَ عز وجل نبيُّهم أن يبعث لهم ملِكًا، فأوحى اللهُ عز وجل إليه: أنِ انظر القَرَنَ الذي في بيتك فيه الدُّهْن، فإذا دخل عليك رجل [ينُشُّ] الدُّهْنَ الذي في القَرَنِ فإنّه مَلِك بني إسرائيل، فادْهَن رأسَه منه، ومَلِّكْهُ عليهم. فجعل ينظر مَن ذلك الرجل الداخل عليه، وكان طالوت رجلًا دَبّاغًا من سِبْط ابن يامين لم يكن فيه نُبُوَّةٌ ولا مُلْك، فخرج طالوت يطلب حمارًا مع غلام له، فمر ببيت أشمويل النبي، فدخل عليه مع غلامه، فذكر له أمرَ حماره، إذ نَشَّ الدُّهْن في القَرَن، فقام إليه النبي ﷺ فأخذه، ثم قال لطالوت: قَرِّب رأسَك. فقَرَّبه، فدَهَنَه، فقال: يا مُنشِدَ الحمار، هذا خيرٌ لك مِمّا تطلُب، أنت مَلِكُ بني إسرائيل الذي أمرني ربي أن أُمَلِّكَه عليهم. وكان اسم طالوت بالسُّرْيانِيّة: مبارك، وخرج من عنده، فقال الناس: ملك طالوت...
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:... [مالَتْ] عظماءُ بني إسرائيل [إلى] النبي ﷺ، فقالوا له: ما شأنُ طالوت يُمَلَّك علينا وليس لهُ من بيت النبوة ولا المملكة؟! وقد عرفتَ أنّ المُلك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا. قال: ﴿إن الله اصطفاه عليكم﴾ لِلَّذِي سبق له أنّه مَلِكُكم.... وكان طالوت رجلًا [فقيرًا] مغمورًا فيهم بالدَّين، فمن ذلك قالوا: ﴿ولم يؤت سعة من المال﴾، وكيف يكون له الملك علينا وهو مغمور بالدّين؟!
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:... ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ فيه تقديم، يعني: في الجسم والعلم، كان أطولهم بسطةً رجل. وقال الحسن: لم يكن بأعلمهم، ولكن كان أعلمهم بالحرب، فذلك قوله: ﴿في العلم﴾، أنّه كان مُجَرِّبًا
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:... قالوا: ما آيةُ ذلك نعرفه أنّه ملك؟ قال: آيته أن يأتيكم التابوت. فقالوا: إن ردَّ علينا التابوت فقد رضينا وسلَّمنا. وكان الذين أصابوا التابوت أسفلَ من جبل إيليا، فيما بينهم وبين مصر، وكانوا أصحاب أوثان، وكان فيهم جالوت، وكان له جِسْمٌ، وخَلْقٌ، وقُوَّةٌ في البطش، وشِدَّةٌ في الحرب، فلمّا وقع التابوت في أيديهم [جعلوا] التابوت في قرية من قُرى فلسطين، فوضعوه في بيت أصنامهم، فأصبحت أصنامُهم منكوسةً. وكان لهم صنمٌ كبير، أصنامهم من ذهب، وكان له حَدَقَتان من ياقوتتين حمراوين، فخرَّ ذلك الصنمُ ساجِدًا للتابوت، [وانحدرت] حَدَقَتان على وجْنَتَيْه يسيل منها الماء، فلمّا دخلتْ سَدَنَةُ بيتِ أصنامهم، ورَأَوْا ذلك؛ نَتَفُوا شعورَهم، ومَزَّقوا جيوبهم، وأخبروا مَلِكهم. وسلط الله عز وجل النارَ على أهل تلك القرية، فتجيء الفأرة إلى الرجل، فتأكل جوفَه، وتخرج من دُبُرِه وهو نائم، حتى طافت عليهم فماتوا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا في سبب هذا التابوت. فأرادوا حرقه، فلم تحرقه النار، وأرادوا كسره، فلم يَحُكَّ فيه الحديد، فقالوا: أخرجوه عنكم. فوضعوه على ثورين على عجلة، فسَيَّبُوه، فساقَتْهُ الملائكةُ إليهم