رجَّح ابنُ جرير (٨/٢٤٢) مستندًا إلى السياق أنّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ﴾ لبني إسرائيل، وبيَّن ذلك، فقال: «معنى الكلام: وقال الله لهم: إني معكم. فترك ذِكْرَ»لهم«استغناءً بقوله: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾. وإذ كان مُتَقَدِّم الخبر عن قوم مُسَمَّين بأعيانهم كان معلومًا أنّ سياق ما في الكلام مِن الخبر عنهم، إذ لم يكن الكلام مصروفًا عنهم إلى غيرهم». وبيَّن ابنُ جرير (٨/٢٤٣) أن قول الربيع ليس ببعيد مِن الصواب، غير أنه انتقده مستندًا إلى دلالة العموم، فقال: «مِن قضاء الله في جميع خَلْقِه أنّه ناصر مَن أطاعه، ووليّ مَن اتَّبَع أمْرَه، وتجنَّب معصيته، وعافى ذنوبه. فإذ كان ذلك كذلك، وكان مِن طاعته إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، وسائر ما نُدِب القوم إليه؛ كان معلومًا أن تكفير السيئات بذلك وإدخال الجنات به لم يَخْصُصْ به النُّقباء دون سائر بني إسرائيل غيرهم، فكان ذلك بأن يكون ندبًا للقوم جميعًا، وحضًّا لهم على ما حضّهم عليه أحقُّ وأَوْلى مِن أنْ يكون ندبًا لبعض، وحضًّا لخاصٍّ دون عامٍّ». ووافقه ابنُ عطية (٣/١٢٨)
عن عبد الله بن مسعود -من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط- أنّه سُئل عن هذه الآية: ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾. قال: ما مِن الكتاب إلا قد جاء على شيءٍ جاء على إدلالِه غيرَ هذه الآية، ولئن أنا لمَ أُخبرِكم بها لَأنا أجهلُ مِن الذي يَترُكُ الغُسلَ يوم الجمعة، هذا رجلٌ خرَج مسافرًا ومعه مالٌ، فأدرَكَه قَدَرُه، فإن وجَد رجلَين مِن المسلمين دفَع إليهما تَرِكتَه، وأشهَد عليهما عدلَين مِن المسلمين، فإن لم يجد عدلَين مِن المسلمين فرجلَين مِن أهل الكتاب، فإن أدّى فسبيلُ ما أدّى، وإن هو جَحَد استُحلِف بالله الذي لا إله إلا هو دُبُر صلاةٍ: إنّ هذا الذي دُفِع إليَّ، وما غَيَّبتُ منه شيئًا. فإذا حَلَف بَرِئ، فإذا أتى بعدَ ذلك صاحِبا الكتاب فشَهِدا عليه، ثم ادَّعى القومُ عليه مِن تَسميتِهم ما لهم، جُعِلت أيمانُ الوَرَثة مع شهادتِهم، ثم اقتَطَعوا حقَّه، فذلك الذي يقول الله: ﴿اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- أنّ معاوية قال له يومًا: إنّه ضَرَبَتْنِي أمواجُ القرآنِ البارحةَ في آيتين لم أعرف تأويلَهما، ففزعتُ إليك. قال: وما هما؟ قال: قول الله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾، وأنّه يفوته إنْ أراده، وقول الله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ [يوسف:١١٠]، كيف هذا؟ يظنون أنه قد كذبهم ما وعدهم؟! فقال ابن عباس: أمّا يونس فظن أن لن تبلغ خطيئته أن يُقَدِّر اللهُ عليه بها العقابَ، ولم يشك أنّ الله إن أراده قَدِرَ عليه. وأمّا الآية الأخرى فإنّ الرسل استيأسوا مِن إيمان قومهم، وظنُّوا أنّ مَن أعطاهم الرِّضا في العلانية قد كذَّبهم في السر؛ وذلك لِطول البلاءِ عليهم، ولم تَسْتَيْئِسِ الرسلُ مِن نصر الله، ولم يظنوا أنهم كَذَبَهُم ما وعَدَهُم. فقال معاوية: فرَّجْتَ عَنِّي، يا ابن عباس، فرَّج اللهُ عنك
عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ حين قَفَل مِن غزوة خيبر سار ليلَه، حتى إذا أدركه الكرى عَرَّس، وقال لبلال: «اكْلَأ لنا الليلَ». فصلّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجرُ استند بلالٌ إلى راحلته مُواجِهَ الفجر، فغلبت بلالًا عيناه وهو مُسْتَنِدٌ إلى راحلته، فلم يستيقظ رسولُ الله ﷺ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزِع رسول الله ﷺ، فقال: «أي بلالُ». فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ -بأبي أنت وأمي يا رسول الله- بنفسك. قال: «اقْتادوا». فاقتادوا رواحلَهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ، وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلّى بهم الصبح، فلما قضى الصلاةَ قال: «مَن نسي الصلاةَ فلْيُصَلِّها إذا ذكرها». فإنّ الله قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾...
عن كعب الأحبار -من طريق زاذان- قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ونزلت الملائكة صفوفًا، فيقول الله لجبريل: ائْتِ بجهنم. فيأتي بها تُقاد بسبعين ألف زِمام، حتى إذا كانت من الخلائق على قدر مائة عام زفرت زفرةً طارت لها أفئدةُ الخلائق، ثم زفرت ثانية فلا يبقى مَلَك مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرسَل إلا جثى لِرُكبتيه، ثم تزفر الثالثة، فتبلغ القلوب الحناجر، وتذهل العقول، فيفزع كل امرئٍ إلى عمله، حتى إنّ إبراهيم عليه السلام يقول: بِخُلَّتِي لا أسألك إلا نفسي. ويقول موسى: بمناجاتي لا أسألك إلا نفسي. ويقول عيسى: بما أكرمتني لا أسألك إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني. ومحمد ﷺ يقول: «أُمَّتي أُمَّتي، لا أسألك اليوم نفسي». فيجيبه الجليلُ جل جلاله: إنّ أوليائي مِن أُمَّتك لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، فوَعِزَّتي، لَأُقِرَّنَّ عينَك في أُمَّتك. ثم تقف الملائكةُ بين يدي الله تعالى ينتظرون ما يُؤمَرون
عن الخزرج، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول -ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار-، فقال: «يا ملَك الموت، ارفق بصاحبي؛ فإنّه مؤمن». فقال ملك الموت: طِب نفسًا، وقَرَّ عينًا، واعلم أنِّي بكل مؤمن رفيق، واعلم -يا محمد- أني لأقبض روح ابن آدم، فإذا صرخ صارخٌ قُمت في الدار ومعي روحُه، فقلتُ: ما هذا الصارخ؟! واللهِ، ما ظلمناه، ولا سبقنا أجله، ولا استعجلنا قدره، وما لنا في قبضه مِن ذنب، فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا، وإن تسخطوا تأثموا وتؤزروا، وإنّ لنا عندكم عودة بعد عودة، فالحذر الحذر، وما من أهل بيت شعر ولا مدر، بر ولا بحر، سهل ولا جبل؛ إلا أنا أتصفحهم في كل يوم وليلة، حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، واللهِ، لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها
عن عبد الله بن الحارث، قال: لَمّا خرج يونسُ مُغاضِبًا أتى السفينة، فركبها، فامتنعت أن تجري، فقال أصحاب السفينة: ما هذا إلا لِحَدَثٍ أحدثتموه. فقال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نقترع، فمن وقعت عليه القرعةُ فألْقُوه في الماء. فاقترعوا، فوقعت القرعةُ على يونس، فأعادوا، فوقعت القرعة عليه، ثم أعادوا، فوقعت القرعة عليه في الثالثة، فلما رأى يونسُ ذلك قال: هو أنا. فخرج، فطرح نفسه، فإذا حوتٌ قد رفع رأسه مِن الماء قدر ثلاثة أذرع، فذهب ليطرح نفسَه، فاستقبله الحوت، فأهوى إليه ليأخذه، فتحوَّل إلى الجانب الآخر، فإذا الحوتُ قد استقبله، فلمّا رأى يونسُ ذلك عرف أنّه أمرٌ مِن الله، فطرح نفسه، فأخذه الحوت قبل أن يَمُرَّ على الماء، فأوحى اللهُ إلى الحوت: ألّا تهضم له عظمًا، ولا تأكل له لحمًا، حتى آمرك بأمري. فدار كذا وكذا حتى ألزقه بالطين، فسمع تسبيحَ الأرض، فذلك حين نادى
عن رجل من رَبيعة، قال: قدمتُ المدينة، فدخلتُ على رسول الله ﷺ، فذكرتُ عنده وافد عاد، فقلتُ: أعوذ بالله أنْ أكون مثلَ وافد عاد. قال رسول الله ﷺ: «وما وافِد عاد؟». فقلتُ: على الخبير سقطتَ، إنّ عادًا لما أقْحَطَتْ بعثتْ قَيْلًا، فنزل على بكر بن معاوية، فسقاه الخمر، وغَنَّته الجرادتان، ثم خرج يريد جبال مَهَرة، فقال: اللهم، إني لم آتِك لمريضٍ فأداويَه، ولا لأسيرٍ فأفاديَه، فاسْقِ عبدك ما كنت مُسقيه، واسْقِ معه بكر بن معاوية. يَشكُر له الخمر الذي سقاه، فرُفع له سحابات، فقيل له: اختر إحداهنّ. فاختار السوداء منهنّ، فقيل له: خُذها رمادًا رِمْدِدًا، لا تذر مِن عاد أحدًا. وذُكر: أنه لم يُرسَل عليهم من الرِّيح إلا قدْر هذه الحلقة، يعني: حلقة الخاتم. ثم قرأ: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ * ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ يقول: مَن يعمل في الدنيا مِثقال ذرّة، يعني: وزن نملة أصغر النمل الأحمر التي لا تكاد نراها مِن صِغَرها، ﴿خيرًا﴾ في التقديم ﴿يَرَهُ﴾ يومئذ؛ يوم القيامة في كتابه أيضًا ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في صحيفته، وذلك أنّ العرب كانوا لا يتصدَّقون بالشيء القليل، وكانوا لا يرون بالذَّنب الصغير بأسًا، فزّهدهم الله عز وجل في الذَّنب الحقير، ورغَّبهم في الصدقة القليلة، فقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في كتابه، والذَّرة: أصغر النمل، وهي النملة الصغيرة، وأيضًا فمَن يعمل في الدنيا مِثقال ذرّة قدر نملة شرًّا يره يوم القيامة في كتابه... ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ في صحيفته
عن سعيد بن جُبَير -من طريق محمد- قال: أتى رهطٌ مِن اليهود النبيَّ ﷺ، فقالوا: يا محمد، هذا الله خَلَق الخَلْق، فمَن خَلَقه؟ فغضب النبيُّ ﷺ حتى انتُقع لونه؛ ثم ساورهم غضبًا لربّه، فجاءه جبريل عليه السلام، فسكّنه، وقال: اخفض عليك جناحك، يا محمد. وجاء مِن الله جواب ما سألوه عنه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾، فلما تلاها عليهم قالوا: صِف لنا ربّك، كيف خَلْقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبيُّ ﷺ أشدَّ مِن غضبه الأول، وساورهم غضبًا، فأتاه جبريل، فقال له مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]